لم يعد ما يحدث في الشرق الأوسط مجرد صراع سياسي تقليدي، بل تحول إلى مشهد عبثي تقوده حسابات ضيقة وشخصيات لا ترى أبعد من مصالحها الآنية. حين ننظر إلى سياسات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ندرك أننا أمام نموذج خطير من القيادة التي تدفع المنطقة إلى حافة الانفجار دون اكتراث بالعواقب.
الحرب المجنونة وغير القانونية على إيران ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة من السياسات التي تتجاهل القانون الدولي، وتضرب عرض الحائط بكل الأعراف الإنسانية. ما يحدث لا يمكن وصفه إلا بأنه مقامرة كبرى بمصير شعوب بأكملها، حيث تُشعل النيران ثم يُترك الجميع لمواجهة الحريق وحدهم.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات تكشف بوضوح أن أولويات الولايات المتحدة لا تتجاوز حدود حماية إسرائيل، حتى لو كان الثمن هو استقرار المنطقة بالكامل. حلفاء واشنطن في الخليج، رغم ما قدموه من دعم سياسي واقتصادي، يجدون أنفسهم في النهاية خارج حسابات الأمن الحقيقي. فحين تتصادم المصالح، يصبح الجميع مجرد أدوات، بينما تبقى إسرائيل هي الثابت الوحيد في معادلة السياسة الأمريكية.
إن هذا النهج لا يهدد فقط إيران أو دول الخليج، بل يهدد بنية المنطقة بأكملها. فالتصعيد المستمر، وإشعال بؤر التوتر، ودفع الأطراف نحو المواجهة، كلها عوامل تقود إلى سيناريو كارثي قد يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليطال العالم أجمع.
والمؤسف أن هذه السياسات لا تُبنى على رؤية استراتيجية طويلة الأمد، بل على ردود أفعال آنية، وحسابات انتخابية، ورغبة في فرض الهيمنة بأي ثمن. هنا يكمن الجنون الحقيقي: أن يُختزل مصير ملايين البشر في قرارات متسرعة، وأن تُدار الحروب وكأنها لعبة بلا نهاية.
إن إنقاذ العالم من هذا المسار يتطلب موقفًا واضحًا: رفض منطق القوة المجردة، والتمسك بالقانون الدولي، والضغط من أجل حلول سياسية عادلة. كما يتطلب من شعوب المنطقة أن تعي حجم التحدي، وأن تدرك أن الاعتماد على القوى الكبرى دون امتلاك قرار مستقل هو رهان خاسر.
الرسالة واضحة: العالم لا يحتاج إلى مزيد من التصعيد، بل إلى عقلاء يوقفون هذا الجنون. فإما أن يتم كبح جماح هذه السياسات، أو يستمر الانحدار نحو فوضى قد لا ينجو منها أحد

تعليقات
إرسال تعليق