بقلم: [محمد الشحات سلامة
في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة، يبرز دائماً تساؤل استراتيجي: لماذا يتردد القادة العسكريون في الغرب في طرح خيار "الغزو البري" الشامل لإيران؟ الإجابة لا تكمن فقط في التوازنات السياسية، بل في "حقائق الأرض" التي تجعل من أي تقدم بري عملية انتحارية بكل المقاييس العسكرية.
أولاً: الجغرافيا كعدو أول
تمثل تضاريس إيران عائقاً طبيعياً لا يمكن تجاوزه. على عكس مسارح العمليات المسطحة التي شهدتها الحروب الحديثة، فإن إيران عبارة عن هضبة مرتفعة محصنة بسلسلتين جبليتين عملاقتين (زاكروس والبرز).
الممرات الضيقة: أي قوة برية غازية ستضطر للمرور عبر خانق جبلية، مما يحول المدرعات الحديثة إلى أهداف سهلة لصواريخ الكورنيت والمسيرات الانتحارية.
العمق الاستراتيجي: المساحة الشاسعة (1.6 مليون كم²) تعني أن خطوط الإمداد ستكون طويلة جداً ومعرضة للاستنزاف الدائم، وهو كابوس لوجستي لأي جيش نظامي.
ثانياً: شبح "مخلب النسر" والدروس التاريخية
لا يزال الفشل الذريع لعملية "Eagle Claw" عام 1980 يلقي بظلاله على العقيدة العسكرية الأمريكية. تلك العملية، التي استهدفت إنقاذ الرهائن في قلب طهران، تحطمت على صخرة البيئة الصحراوية الصعبة وسوء التنسيق.
التاريخ يخبرنا أن دخول 7 آلاف جندي -كما يُشاع أحياناً في بعض الخطط المحدودة- هو تكرار لخطأ قاتل؛ فإيران ليست ساحة للعمليات الخاطفة، بل هي بيئة مهيأة لحرب عصابات طويلة الأمد تتفوق فيها القوات المحلية التي تعرف تضاريسها شبراً بشبر.
ثالثاً: الدفاع الفسيفسائي وحرب الاستنزاف
تعتمد العقيدة الدفاعية الإيرانية على "اللامركزية". في حال تعرض البلاد لغزو، تتحول كل محافظة إلى قيادة عسكرية مستقلة قادرة على القتال لسنوات دون الحاجة لأوامر من العاصمة. هذا النوع من الدفاع "الفسيفسائي" يجعل السيطرة على الأرض مستحيلة، ويحول الغزو إلى حرب استنزاف بشرية ومالية لا يمكن لأي قوى أجنبية تحملها.
الخلاصة
إن أي حديث عن دخول بري لإيران يتجاهل دروس التاريخ وعلم الجغرافيا العسكرية هو "قفزة في المجهول". فالأرض التي استعصت على الغزاة عبر التاريخ بفضل جبالها الشاهقة، لا تزال اليوم تمثل التحدي الأكبر لأي تفوق تكنولوجي جوي، مؤكدةً أن السيطرة على "الهضبة الإيرانية" تتطلب ما هو أكثر من مجرد جيوش نظامية؛ تتطلب معجزة جغرافية لم تحدث بعد.

تعليقات
إرسال تعليق