بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يتحول مضيق هرمز من ممر مائي هادئ إلى مسرح صاخب للصراع، وإلى ورقة ضغط جيوسياسية بامتياز تتجاذبها أطراف النزاع بأيدٍ مرتعشة تارة، وبقبضات حديدية تارة أخرى، فبينما تمتلك إيران جغرافية الممر وقدرته الفطرية على تعطيل الملاحة فيه بمجرد أن تطلق زورقاً أو تزرع لغماً، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها لفرض معادلة عسكرية مضادة تهدف لفتحه بالقوة، لكن السؤال الأكبر يبقى معلقاً في فضاء المنطقة من يمسك فعلياً بأوراق الضغط في هذه المعركة الشرسة؟ منذ اللحظة التي أعلن فيها القائد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، عن استخدام إغلاق المضيق كورقة ضغط ضد أمريكا وإسرائيل، تحول الممر المائي من شريان حيوي للتجارة العالمية إلى ساحة مواجهة مفتوحة تهدد بزعزعة استقرار أسواق الطاقة والغذاء حول العالم، وفي تلك اللحظة بدأ الجميع يدركون أن هذه الورقة ليست مجرد تهديد عابر، بل هي سلاح ذو حدين قد يشعل المنطقة بأكملها ورغم التصريحات الأمريكية المتشددة التي تخرج من البيت الأبيض وكأنها طلقات نارية، يبدو أن طهران تدرك جيداً قوة الورقة التي تمتلكها، ليس فقط لقدرتها على زرع الألغام وإطلاق الصواريخ والمسيرات من شواطئها المطلة على الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه أربعة وثلاثين كيلومتراً، بل أيضاً لأنها تدرك أن أي تصعيد عسكري أمريكي لفتح المضيق سيكون مكلفاً وقد يستغرق أسابيع أو أشهراً، وفي تلك الفترة ستنزف أسواق النفط والغذاء العالمية دماً.
الولايات المتحدة، من جانبها، تحاول لعب أوراقها بقوة وسط هذه العاصفة، فبعد أن أعلن الرئيس الأمريكي عن تدمير ما وصفه بالقدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، وجه دعوات مفتوحة لتشكيل تحالف بحري دولي يضم كبار اللاعبين العالميين لفتح المضيق وضمان سلامة الملاحة فيه، لكن المفارقة الكبرى أن هذه الدعوات قوبلت ببرود دولي لافت، فالدول الكبرى التي كان يظن أنها ستسرع للانضمام رفضت صراحة إرسال سفنها الحربية خوفاً من التورط المباشر في حرب قد لا تجد لها نهاية، فيما أبدت دول أخرى حذراً شديداً مفضلة البقاء على الحياد والترقب من بعيد، وهذا الرفض لم يكن مجرد خوف عابر، بل كان يعكس إدراكاً دولياً عميقاً بأن الاشتباك العسكري في هرمز قد لا يضمن فتحه بالقدر الذي قد يجر الدول المشاركة إلى مستنقع صراع إقليمي لا يمكن السيطرة عليه، كما أن طبيعة التهديدات غير المتكافئة التي تمتلكها إيران من زوارق سريعة تنشق الأمواج كالسهام، وألغام بحرية تستقر في القاع كوحوش كامنة، ومسيرات انقضاضيه تحلق على ارتفاع منخفض، كل ذلك يجعل من مهمة أي تحالف بحري تقليدي مهمة شائكة ومعقدة قد تتحول إلى كابوس.
تتعمق المفارقة أكثر حين ننظر إلى التحركات الأمريكية العملية على الأرض، ففي الوقت الذي هدد فيه الرئيس الأمريكي بـ"محو" محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يتم فتح المضيق خلال ساعات معدودة، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن نيتها سحب فرقاطاتها المخصصة لكسح الألغام من المنطقة، مما أثار تساؤلات جدية حول جدية الاستعدادات الأمريكية لمواجهة الإغلاق الإيراني، هذا التناقض العلني بين التهديدات النارية والقدرات الفعلية دفع الكثير من المراقبين إلى وصف الاستجابة الأمريكية بأنها ارتباك واضح، خاصة مع الإقرار بأن العائق الوحيد أمام الملاحة هو أن إيران لا تزال تطلق النار على السفن دون رادع حقيقي وفي المقابل، تلعب إيران أوراقها بذكاء شديد، حيث لم تكتفِ بتهديد الإغلاق العسكري التقليدي، بل شرعت في طرح أفكار أكثر ابتكاراً لتحويل المضيق من مجرد ممر مائي إلى مصدر دائم للضغط الاقتصادي، فمع استمرار الحرب، بدأت الأصوات ترتفع في طهران لفرض رسوم عبور على الدول التي تستخدم المضيق، وهو تحول نوعي من مجرد الإغلاق العسكري إلى ابتزاز اقتصادي منظم يعيد صياغة قواعد الملاحة الدولية في الممر من جديد.
ورغم كل هذه الأوراق التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها ممسوكة بإحكام في يد طهران، يظل المشهد معقداً وأكثر تعقيداً مما يبدو على السطح، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على توجيه ضربات قاسية للبنية التحتية الإيرانية، كما فعلت بقصف جزيرة خرج النفطية التي تمثل عصب الاقتصاد الإيراني، ويمكنها تصعيد العمليات لتشمل محطات الطاقة والمنشآت الحيوية، لكن هذه الخيارات تحمل في طياتها مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى توسع رقعة الحرب واشتعال المنطقة بأكملها بلهيب لا يمكن إخماده بسهولة وفي الجهة المقابلة، تدرك إيران أن استمرار إغلاق المضيق لفترات طويلة قد يدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً، ويؤدي إلى تآكل الدعم الدولي الذي قد يكون لديها من دول كبرى تعتمد على استقرار المنطقة وهكذا يظل مضيق هرمز ساحة اختبار حقيقية لقدرات الطرفين على إدارة الأزمة والتحكم في انفعالاتها، فإيران تمتلك أوراق الجغرافيا والتهديد غير المتماثل الذي يصعب مواجهته بالوسائل التقليدية، بينما تمتلك أمريكا أوراق القوة العسكرية الجوية والتكنولوجية الفائقة التي تتفوق بها في سماء المنطقة، لكن النتيجة النهائية لهذا الصراع، كما يرى الكثير من المتابعين، لن تحددها القوة العسكرية الجارفة بقدر ما تحددها القدرة على الوصول إلى تسوية سياسية تخرج المضيق من دائرة الصراع الحاد إلى دائرة الأمان التجاري الذي تستحقه بقية دول العالم، ففي النهاية يبقى مضيق هرمز أكبر من أن يكون رهينة لأيدي المتصارعين
د/ أ حمد صفوت السنباطي

تعليقات
إرسال تعليق