بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن أهل الدعاء الموفقين حين يعُجون إلى ربهم بالدعاء يعلمون أن جميع الأبواب قد توصد فى وجوههم إلا باب واحد هو باب السماء، فإنه باب مفتوح لا يغلق أبدا، فتحه من لا يرد داعيا، ولا يخيب راجيا فهو غياث المستغيثين، وناصر المستنصرين، ومجيب الداعين، فيا أيها المجتهدون يجتمع فى هذه الأيام أوقات فاضلة، وأحوال شريفة، فإن العشر الأخيرة القادمة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في أيامكم هذه، فأين المتنافسون؟ فاجتهدوا بالدعاء، سلوا ولا تعجزوا، ولا تستبطئوا الإجابة، فيعقوب عليه السلام فقد ولده الأول ثم فقد الثانى فى أزمنة متطاولة، ما زاده ذلك بربه إلا تعلقا فقال تعالى فى وصفه قائلا فى سورة يوسف " عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم"
وهذا نبي الله زكريا عليه السلام، كبر سنه، واشتعل بالشيب رأسه، ولم يزل عظيم الرجاء في ربه، حتى قال محققا " ولم أكن بدعائك رب شقيا" فلا تستبطئ الإجابة، فربك يحب تضرعك وصبرك ورضاك بأقداره، رضا بلا قنوط، يبتليك بالتأخير لتدفع وسواس الشيطان، وتصرف هاجس النفس الأمارة بالسوء، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي" ويجمل الدعاء وتتوافر أسباب الخير ويعظم الرجاء حين يقترن بالاعتكاف، فقد اعتكف رسول الله هذه الأيام العشر القادمة حتى توفاه الله تعالي، فإنه عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه، فإن المعتكف ذكرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته، فإذا أوى الناس إلى بيوتهم وأهليهم، ورجعوا إلى أموالهم وأولادهم لازم هذا المعتكف بيت ربه وحبس من أجله نفسه.
ويقف عند أعتابه يرجو رحمته ويخشى عذابه، لا يطلق لسانه فى لغو، ولا يفتح عينه لفحش، ولا تتصنت أذنه لبذاء، سلم من الغيبة والنميمة، جانب التنابز بالألقاب والقدح في الأعراض، استغنى عن الناس وانقطع عن الأطماع، علم واستيقن أن رضا الناس غاية لا تدرك، واعلموا أن فى درس الإعتكاف إنصرف المتعبد إلى التفكير في زاد الرحيل، وأسباب السلامة، السلامة من فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول المخالطة، وإن فى مدرسة الاعتكاف يتبين للعابد أن الوقت أغلى من الذهب، فلا يبذله في غير حق، ولا يشترى به ما ليس بحمد، يحفظه عن مجامع سيئة، بضاعتها الغيبة والنميمة، فإن أوقاتكم فاضلة تشغل بالدعاء والصلاة وقراءة القرآن وذكر الله وغيرها من العبادات، وتستغل فيها فرص الخير، وإن من أعظم ما يرجى فيها ويتحرى ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر.
من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، فإنها ليلة خير من ألف شهر، خفي تعيينها اختبارا وابتلاء، ليتبين العاملون وينكشف المقصرون، فمن حرص على شيء جدّ في طلبه، وهان عليه ما يلقى من عظيم تعبه، فإنها ليلة تجرى فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء، وشقاء الأشقياء، فإن فيها يفرق كل أمر حكيم، ولا يهلك على الله إلا هالك، فيا ليلة القدر للعابدين اشهدى، ويا أقدام القانتين اركعى لربك واسجدى، ويا ألسنة السائلين جدى فى المسألة واجتهدى، فإن أيامكم هذه أعظم الأيام فضلا، وأكثرها أجرا، تصفو فيها لذيذ المناجاة، وتسكب فيها غزير العبرات، كم لله فيها من عتيق من النار، وكم فيها من منقطع قد وصلته توبته، المغبون من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله، والمأسوف عليه من فاتته فرص الشهر وفرط فى فضل العشر وخاب رجاؤه في ليلة القدر، مغبون من لم يرفع يديه بدعوة.
ولم تذرف عينه بدمعة، ولم يخشع قلبه لله لحظة، ويحه ثم ويحه أدرك الشهر، ألم يُحظ بمغفرة؟ ألم ينل رحمة؟ يا بؤسه، ألم تقل له عثرة؟ ساءت خليقته وأحاطت به خطيئته، قطع شهره فى البطالة وكأنه لم يبق للصلاح عنده موضع، ولا لحب الخير فى قلبه منزع، فقد طال رقاده حين قام الناس، هذا والله غاية الإفلاس، عصى رب العالمين واتبع غير سبيل المؤمنين، أمر بالصلاة فضيعها، ووجبت عليه الزكاة فانتقصها ومنعها، دعته دواعى الخير فأعرض عنها، مسؤولياته قصّر فيها، وقصّر فيمن تحت يديه من بنين وبنات، يفرط فى مسؤولياته وقد علم أن من سُنة نبينا أنه يوقظ أهله، أما هذا فقد اشتغل بالملهيات وقطع أوقاته في الجلبة فى الأسواق والتعرض للفتن.

تعليقات
إرسال تعليق