منذ وصوله إلى البيت الأبيض، تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة تقوم على الضغط الأقصى تجاه إيران، معتقدًا أن العقوبات الاقتصادية الخانقة والضغوط السياسية والعسكرية كفيلة بإجبار طهران على التراجع عن طموحاتها الإقليمية والنووية. غير أن الواقع السياسي في الشرق الأوسط أثبت أن الحسابات في هذه المنطقة المعقدة لا تخضع دائمًا للمنطق التقليدي للقوة والضغط.
لقد راهنت الإدارة الأمريكية آنذاك على أن إيران، تحت وطأة العقوبات والعزلة الدولية، ستجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات كبيرة. لكن ما حدث كان عكس ذلك إلى حد كبير، حيث أظهرت طهران قدرة ملحوظة على الصمود والمناورة، مستفيدة من شبكة علاقاتها الإقليمية ومن أدوات النفوذ التي تمتلكها في عدة ساحات بالمنطقة.
كما أن طبيعة النظام السياسي في إيران تقوم على فكرة الصمود أمام الضغوط الخارجية، وهو ما جعل العقوبات تتحول في بعض الأحيان إلى أداة لتعزيز الخطاب الداخلي القائم على مقاومة الهيمنة الغربية. وفي الوقت ذاته، لم تتردد طهران في توظيف نفوذها الإقليمي لإرسال رسائل غير مباشرة بأن أي تصعيد ضدها لن يمر دون رد.
وفي المقابل، كانت الإدارة الأمريكية تعتقد أن سياسة الضغط الأقصى ستقود في نهاية المطاف إلى إعادة صياغة سلوك إيران الإقليمي، وربما إلى اتفاق جديد أكثر صرامة من الاتفاق النووي السابق. غير أن التطورات على الأرض أظهرت أن المواجهة بين واشنطن وطهران أكثر تعقيدًا من مجرد معادلة عقوبات مقابل تنازلات.
إن المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحكمه توازنات دقيقة، وتداخلات إقليمية ودولية تجعل أي محاولة لفرض إرادة أحادية محفوفة بالمخاطر. فإيران ليست دولة معزولة تمامًا، بل تمتلك أدوات تأثير وشبكات تحالف تسمح لها بامتصاص الضغوط والرد عليها بطرق غير تقليدية.
وفي ضوء ذلك، يظل السؤال مطروحًا: هل أخطأ ترامب بالفعل في تقدير قوة إيران وقدرتها على الصمود؟ أم أن استراتيجيته كانت جزءًا من لعبة ضغط طويلة الأمد تهدف إلى إعادة رسم قواعد التوازن في المنطقة؟
الإجابة عن هذا السؤال ربما لا تزال قيد التشكل، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لا يعترف بسهولة بالحسابات البسيطة، وأن أي قوة دولية تحاول إدارة صراعاته دون فهم عميق لتعقيداته قد تجد نفسها أمام نتائج لم تكن في الحسبان.

تعليقات
إرسال تعليق