القائمة الرئيسية

الصفحات

الشقي من حرم رحمة الله


بقلم / محمـــد الدكـــروري 

اتقوا الله يا عباد الله وقوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة، فإن الشقي من حرم رحمة الله، فإن المؤمن يعلم أن هذه المواسم عظيمة، والنفحات فيها كريمة ولذا فهو يغتنمها، ويرى أن من الغبن البين تضييع هذه المواسم، وتفويت هذه الأيام والفرص، ولقد كان رسول الهدى عليه الصلاة والسلام يُعطي هذه الأيام عناية خاصة ويجتهد في العمل فيها أكثر من غيرها، فإنها عشر ليال فقط تمر كطيف زائر فى المنام، تنقضي سريعا، وتغادرنا كلمح البصر، فليكن استقصارك المدة معينا لك على اغتنامها، وتذكر أنها لن تعود إلا بعد عام كامل، لا ندرى ما الله صانع فيه، وعلى من تعود، وكلنا يعلم يقينا أن من أهل هذه العشر من لا يكون من أهلها في العام القادم، أطال الله في أعمارنا على طاعته، ولقد بدأت العشر وبدأ السباق، فأين المقتدون ؟ وأين المهتدون؟ إنها ليالى العابدين، وقرة عيون القانتين. 


وملتقى الخاشعين، ومحط المخبتين، ومأوى الصابرين، فيها يحلو الدعاء، ويكثر البكاء، إنها ليال معدودة وساعات محدودة، فيا حرمان من لم يذق فيها لذة المناجاة، ويا خسارة من لم يضع جبهته فيها ساجدا لله، إنها ليالى يسيرة، والعاقل يبادر الدقائق فيها، لعله يفوز بالدرجات العُلا في الجنان، وإنها ليست بجنة بل جنان، فيا نائما متى تستيقظ؟ ويا غافلا متى تنتبه؟ ويا مجتهدا اعلم أنك بحاجة إلى مزيد اجتهاد، ولا أظنك تجهل هذه الآية " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" فإن للعشر الأواخر من رمضان عند النبي صلى الله علية وسلم، وأصحابه أهمية خاصة ولهم فيها هدى خاص، فقد كانوا أشد ما يكونون حرصا فيها على الطاعة، والعبادة والقيام والذكر، فكان من أهم الأعمال التى كان يحرص عليها الأولون وينبغى علينا الاقتداء بهم في ذلك هو أحياء الليل فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم. 


كان إذا دخل العشر أحياء الليل وأيقظ أهله وشد مئزر" ومعنى إحياء الليل أى استغرقه بالسهر فى الصلاة والذكر وغيرهما، وعن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت" لا اعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله فى ليلة ولا قام ليلة حتى أصبح ولا صام شهرا كاملا قط غير رمضان" فعلى هذا يكون أحياء الليل المقصود به أنه يقوم أغلب الليل، ويحتمل أنه كان يحي الليل كله كما جاء في بعض طرق الحديث، وقيام الليل فى هذا الشهر الكريم وهذه الليالي الفاضلة لاشك أنه عمل عظيم جدير بالحرص والاعتناء حتى نتعرض لرحمات الله جل شأنه، ومن الأعمال الجليلة في هذه العشر هو إيقاظ الرجل أهلة للصلاة، كما فى البخارى عن السيدة عائشة رضي الله عنها وهذا حرص منه عليه الصلاة والسلام على أن يدرك أهله من فضائل ليالي هذا الشهر الكريم ولا يقتصر على العمل لنفسه ويترك أهله في نومهم. 


كما يفعل بعض الناس وهذا لاشك أنه خطأ وتقصير ظاهر، واعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر شد المئزر، والمعنى أنه يعتزل النساء في هذه العشر، وينشغل بالعبادة والطاعة وذلك لتصفو نفسه عن الأكدار والمشتهيات فتكون أقرب لسمو القلب إلى معارج القبول وأزكى للنفس لمعانقة الأجواء الملائكية وهذا ما ينبغي فعله للسالك بلا إرتياب، ومما ينبغى الحرص الشديد عليه في هذه العشر هو الإعتكاف فى المساجد التى تصلي فيها فقد كان هدى النبى صلى الله علية وسلم المستمر الإعتكاف في العشر الأواخر حتى توفاه الله وانما كان يعتكف فى هذه العشر التى تطلب فيها ليلة القدر قطعا لانشغاله، وتفريغا للياليه وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه وكان يحتجز حصيرا يتخلى فيه عن الناس فلا يخالطهم ولا ينشغل بهم، وقد روى البخارى أنه عليه الصلاة والسلام اعتكف فى العام الذي قبض فيه عشرين يوما.


تعليقات