بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن في التقليل من الطعام ترقيق للقلب وإغزار للدمعة ونشاط في العبادة وخفة في النوم ومن جرب عرف، وكما يجب عليك أن تتخذ لنفسك في المسجد مكانا قصيا، واجعل له مكانة وحرمة عند الآخرين كيلا يدخلوا عليك في أي وقت فيفسدوا عليك عبادتك وخلوتك بربك، وكما يجب عليك أن تنوع في العبادة، فلا تمنع نفسك من أي عبادة ترغبها، والوقت يناسبها، ولا تجبر نفسك على الانتقال من عبادة أنت فيها إلى عبادة أخرى لم تقبل النفس عليها بعد، وإذا كنت تقرأ القرآن مثلا وحضرت لديك فترة تدبر وتفكر، فتوقف عن القراءة وعش في أرجاء ما تتفكر فيه وإن كنت تقرأ عن الجنة فعش في نعيمها وتقلب فيه واطعم من ثمارها وانقل نفسك في جميع أوصافها التي ذكرها الله أو ذكرها رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تأمل كثيرا ما الذي يوصلك إليها، وإن كنت تقرأ عن النار، فتوقف كذلك وعش في عذاب النار، ومثل نفسك يقلب وجهك فيها.
وتسحب على وجهك وتجر من قدمك وتأكل من زقومها وتشرب من حميمها وترجو الخروج منها أو التخفيف ولو يوما واحدا، ثم تأمل ما الذي ينجيك منها، وعش بين الرجاء والخوف، أو إن كنت تقرأ في الحساب العسير وعن ظهور الذنوب التي لم تحتسب وعن شهادة الأعضاء فعش معها كذلك، وتذكر ذنوبك واحدا واحدا إن استطعت أن تعدها، ثم اعزم على التوبة ولا تتردد، فإنك لو ذهبت ليلتك كلها في مثل هذا لم يكن كثيرا، بل هو خير، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أمضى ليلة كاملة في ترداد قوله تعالى "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" وأبو حنيفة رحمه الله أمضى ليلة كاملة في قراءة سورة الزلزلة والتفكر فيها حتى أصبح، وإن رأيت نفسك مقبلة على الصلاة فأقبل عليها وإن رأيتها مقبلة على الذكر والتفكر فيه فلا تردها وهكذا، اجعلها تتقلب في أعمال الخير، ومن خير إلى خير.
لكن انتبه لا يذهب وقتك في الهواجيس، فالهواجيس أصحابها مفاليس كما قال ابن القيم رحمه الله، وتعرف على أسرار الاعتكاف واكتشف كل يوم سرا جديدا، فله أسرار عظيمة، لئن وجدتها لتشعرن بما قاله السلفي قبلك، إنه ليمر علي أوقات يرقص فيها القلب طربا، ويقول إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي عيش طيب، وتعرف على أكثر على عظمة الله عز وجل وتفكر في آلائه واعرف، وماقدروا الله حق قدره، واعلموا أن الإعتكاف خلوة، والاعتكاف هو إنقطاع عن الدنيا وعن محادثة الناس، وينبغي أن تعلم أن الهاتف عدو الاعتكاف الأول فهو والله مصيبة من المصائب يوم يصرفك عن طاعة الله أو يشغل ذهنك في شيء من زينة الحياة الدنيا أو يقطع سياحتك في العالم العلوي أو يفسد عليك لذة خلوة ومناجاة لو جمعت الدنيا كلها لتحصل عليها ما استطعت، وهو الله مصيبة، ومصيبة أعظم في حق المعتكف.
أن ترى الواحد من الناس قد نشر كتاب الله بين يديه يتلوه ويقرأه، أو رفع يديه متضرعا بين يدي الله سبحانه وقد وضع الهاتف بجانبه، يرد على أي اتصال ويقرأ كل رسالة واردة وصادرة، ويزعم أنه لا يستطيع الاستغناء عن الهاتف، ولو سألته أين أنت قبل عشر سنين أو تزيد سنوات لم تكن هواتف محمولة ؟ هل تغير شيء ؟ ولذا فإن الحل السهل الممتنع عند كثير من الناس هو الإقفال التام وعدم فتحه إلا لبر والدين، أو قضاء ضرورة ملحة، لكن أين من يستطيع؟ ولنعلم جميعا أن في العشر الأواخر من رمضان تعظم الأجور وتضاعف الحسنات ولذا فمن المهم أن يحرص الإنسان على أن لا تفوته أي سنة يستطيع تطبيقها، ومن ذلك التبكير إلى الصف الأول، والتواجد قبل الأذان في الصف ليتحقق انتظار الصلاة، واحتساب الرباط بين الصلوات، والدنو من الإمام، والحرص على ميامن الصفوف، والحرص على الركعتين بعد كل وضوء.
والبقاء على طهارة ووضوء دائمين، والحرص على السواك خصوصا في مواطن الإستحباب، كقبل الوضوء وقبل الصلاة وبعد النوم وغير ذلك، والتبسم للمسلمين ومصافحتهم، والمساعدة في تنظيف المسجد على أن لا يشغل عن المقصود الأسمى وهو التفرغ والخلوة.

تعليقات
إرسال تعليق