بقلم/ أيمن بحر
لم تكن الأخلاق يوما عنصرا حاكما فى صراعات القوى الكبرى لكن ما يجرى اليوم يكشف بوضوح أن القواعد نفسها لم تعد قائمة وأن العالم يدخل مرحلة أكثر قسوة حيث تحكمه موازين القوة المجردة بلا أى غطاء إنساني أو سياسي
التطورات الأخيرة التي طالت قيادات عسكرية إيرانية بارزة تشير إلى تحول نوعى فى طبيعة الصراع إذ لم يعد الأمر مقتصرا على رسائل ردع أو عمليات محدودة بل امتد إلى استهداف مباشر لرؤوس المنظومة العسكرية والأمنية وهو ما يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر حساسية وخطورة
هذه الضربات التى استهدفت قادة فى مواقع شديدة التأثير داخل هيكل الحرس الثورى والأجهزة المرتبطة به لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الكبرى فى أدوات الحرب حيث أصبحت التكنولوجيا والاستخبارات الدقيقة والأقمار الصناعية هى اللاعب الرئيسي فى تحديد مسار المعارك قبل أن تبدأ فعليا على الأرض
ما يحدث ليس مجرد سلسلة اغتيالات بل هو تعبير واضح عن صراع بين نموذجين عالم قديم يعتمد على الأساليب التقليدية وعالم جديد يقوم على الرصد اللحظى والتتبع الدقيق والقدرة على الوصول إلى الأهداف فى أى وقت دون الحاجة إلى جيوش جرارة أو مواجهات مباشرة
فى هذا السياق تبدو إيران أمام تحد بالغ التعقيد فاستنزاف قياداتها العسكرية بهذا الشكل قد ينعكس على قدرتها فى إدارة أى مواجهة برية محتملة كما يطرح تساؤلات حول مستوى الاختراق الأمني داخل مؤسساتها وهو عامل لا يقل خطورة عن الخسائر البشرية نفسها
وفى المقابل فإن مشهد استعراض الاغتيالات وتحويلها إلى رسائل سياسية علنية يعكس تحولا مقلقا فى قواعد الاشتباك حيث لم تعد العمليات السرية تدار فى الظل بل أصبحت جزءا من خطاب القوة والردع وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة تتآكل فيها الخطوط الحمراء بشكل متسارع
الصمت الدولى تجاه هذه التطورات يثير بدوره علامات استفهام واسعة حول ازدواجية المعايير فى التعامل مع الأزمات إذ يبدو أن القواعد تتغير وفقا لهوية الفاعل وليس وفقا لطبيعة الفعل وهو ما يهدد بتقويض ما تبقى من منظومة القانون الدولى
ومع تصاعد هذا النهج تصبح المنطقة أقرب إلى سيناريوهات الانفجار الشامل خاصة إذا قررت الأطراف المتضررة الرد خارج الأطر التقليدية وهو ما قد يدفع نحو مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الاشتباك غير المباشر إلى صدام إقليمى واسع
السؤال الأهم لم يعد من بدأ أو من يرد بل إلى أين تتجه هذه المعادلة الجديدة وهل أصبح القتل السياسي أداة مقبولة فى إدارة الصراعات الدولية أم أن العالم يكتب بالفعل فصلا جديدا من الفوضى حيث لا مكان للأخلاق ولا وزن إلا للقوة
في ظل هذه المعطيات تبدو المنطقة أمام اختبار مصيرى حيث يتراجع منطق التوازن لصالح منطق الهيمنة وتتحول الحسابات من إدارة الأزمات إلى صناعة الأزمات وهو ما يجعل المستقبل مفتوحا على احتمالات أكثر تعقيدا وخطورة فيدى عالم لم تعد تحكمه القواعد القديمة بل تفرضه وقائع القوة على الأرض

تعليقات
إرسال تعليق