القائمة الرئيسية

الصفحات

تأثير السياسات الداخلية الأمريكية على الأمن العالمي


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


منذ نهاية الحرب الباردة، اعتاد العالم على تصور الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها المهندس الرئيسي للنظام الدولي والقوة الضامنة لاستقراره، ولكن مع دخول عام 2026، يبدو أن هذا التصور ذاته قد انقلب رأساً على عقب، فلم تعد واشنطن ذاك الحارس الأمين للمؤسسات متعددة الأطراف التي ساهمت في بنائها بعد 1945، بل تحولت إلى قوة هدامة تعمل من الداخل على تفكيك الركائز التي قامت عليها لعقود هذا التحول الجذري في السلوك الأمريكي لم يعد مجرد خلاف في وجهات النظر حول السياسات، بل أصبح وفقاً لتقارير كبرى مثل تقرير ميونيخ للأمن لسنة 2026، الذي حمل عنوان "تحت التدمير"، يشكل الخطر الجيوسياسي الأكبر الذي يهدد الاستقرار العالمي فالإدارة الأمريكية الحالية، التي تتبنى رؤية إمبريالية واضحة، لم تعد تخفي أطماعها خلف شعارات نشر الديمقراطية، كما يتجلى في تصريحات قادتها بشأن "إدارة" فنزويلا للاستيلاء على ثرواتها النفطية، أو في محاولاتها المكشوفة لشراء جزيرة غرينلاند من حليفها الدنماركي تحت التهديد بفرض رسوم جمركية هذه السياسات تعكس تحولاً خطيراً في العقلية الاستراتيجية الأمريكية، حيث لم تعد خريطة العالم تُقرأ على أساس التحالفات والسيادة، بل كمجرد جرد للثروات والأصول التي يمكن الاستحواذ عليها وعلى الصعيد الاقتصادي، يمارس البيت الأبيض سياسة "كرة الهدم" ذاتها، فبدلاً من تعزيز التجارة الحرة التي كانت الولايات المتحدة نفسها الراعي الأول لها، تنتهج إدارة ترامب سياسات حمائية وتهدد بفرض تعريفات جمركية حتى على أقرب حلفائها، وهي سياسات حذر صندوق النقد الدولي من أنها لا تضر بالاقتصاد العالمي فحسب بل إنها تشكل "عائقاً أكبر من المتوقع" أمام النشاط الاقتصادي الأمريكي نفسه والمفارقة أن واشنطن تبرر هذه الإجراءات بخطاب "إزالة المخاطر"، بينما الواقع أنها تعمل على تسيس المخاطر وتسليحها، محولة إياها من تحديات تقنية إلى أسلحة اقتصادية ومالية وتكنولوجية تستخدمها لتحقيق مكاسب جيوسياسية على حساب حلفائها وخصومها معاً إن ما يحدث ليس مجرد انسحاب أمريكي من قيادة العالم، بل هو هجوم ممنهج على أسسه، وقد استشعرت دوائر النخبة في أوروبا هذا الخطر بوضوح، حيث أظهر استطلاع للرأي أن 69% من الألمان و60% من الفرنسيين والإيطاليين يعتقدون أن سياسات ترامب ستكون ضارة بالعالم، بينما يرى 66% من الألمان أن الولايات المتحدة أصبحت حليفاً أقل موثوقية في الناتو هذا الإحساس بالخيانة دفع بالبعض إلى القول إن عملية "إزالة المخاطر" الحقيقية لأوروبا يجب أن تعني "إزالة الأميركية"، أي فك الارتباط الهيكلي مع قوة لم تعد تعاملهم كشركاء بل كأتباع في المحصلة، لم يعد العالم يعيش مرحلة ما بعد القطبية فحسب، بل يدخل في مرحلة أكثر خطورة هي مرحلة "العالم ناقص واحد"، حيث تبقى القوة العظمى الأكبر موجودة ومؤثرة، لكنها في ذات الوقت غائبة عن لعب أي دور بناء، بل ومعادية لأي جهد جماعي، مما يخلق حالة من الفوضى وعدم اليقين لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل .

تعليقات