الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في بعض اللحظات الدرامية لا يحتاج الممثل إلى خطب طويلة أو مشاهد صاخبة حتى يثبت حضوره، أحيانًا تكفي لقطة واحدة فقط، صادقة ومكثفة ومليئة بالتفاصيل، لتصنع حالة كاملة من الجدل والتفاعل وتضع اسم صاحبها في مساحة مختلفة تمامًا، وهذا تحديدًا ما حدث مع النجم محمد القس خلال ظهوره اللافت في مسلسل آخر كلام، عندما قدّم مشهدًا بالزي الهندي جذب الأنظار بقوة وفتح باب المقارنات على مصراعيه مع أجواء السينما الهندية ونجومها.
منذ اللحظة الأولى لعرض المشهد، بدا واضحًا أن الأمر لا يتعلق بملابس مختلفة أو شكل خارجي لافت فقط، بل بتحول كامل في الأداء، فالقس لم يكتفِ بارتداء زي هندي تقليدي، لكنه غيّر إيقاعه، طريقته في الحركة، نظراته، وحتى سكونه بين الجمل، وكأنه يتنفس بروح الشخصية لا يمثلها، وهو ما جعل المشهد يبدو حقيقيًا إلى درجة أربكت المشاهد وجعلته ينسى أنه يتابع عملًا عربيًا، ويشعر للحظة أنه داخل فيلم قادم من قلب بوليوود.
هذا الصدق هو ما أشعل مواقع التواصل، حيث بدأ الجمهور يتداول المقطع بكثافة، وتوالت التعليقات التي تشيد بقدرة القس على التلون وتقمص شخصيات من ثقافات مختلفة دون الوقوع في فخ الكاريكاتير أو التقليد السطحي، فالشخصية لم تُقدَّم على سبيل المزاح أو المبالغة، بل جاءت باحترام واضح للتفاصيل، وهو ما منحها مصداقية كبيرة وجعلها قريبة من القلب.
ومع اتساع التفاعل، ظهرت مقارنات تلقائية بين أدائه وبين نجوم السينما الهندية، ووصل الأمر إلى تداول اسم النجم العالمي Jeet Raidutt باعتباره نموذجًا للحضور والكاريزما المشابهة لما قدمه القس في هذا المشهد، خاصة أن الاثنين يشتركان في القدرة على السيطرة على الكاميرا بلغة جسد هادئة لكنها مؤثرة، وهو النوع من الأداء الذي يعتمد على الإحساس أكثر من الاستعراض.
لكن وبمنتهى المهنية والوضوح الصحفي، لا توجد أي تعليقات أو مشاركات رسمية من جيت رايدوت أو من صفحات هندية تؤكد وصول المشهد إلى هناك، وكل ما حدث يندرج تحت إطار المقارنات الجماهيرية والانطباعات التي خلقها الأداء القوي نفسه، وليس إشادة مباشرة أو تفاعل حقيقي من النجم الهندي، وهي نقطة ضرورية تحافظ على دقة الرواية وتمنح الخبر مصداقيته بعيدًا عن أي تهويل.
وربما المفارقة الجميلة هنا أن القس لم يكن في حاجة أصلًا إلى إشادة خارجية حتى يثبت نجاحه، فالفنان الحقيقي لا ينتظر شهادة من أحد، بل يترك الشاشة تحكم، والمشهد كان كافيًا ليؤكد أنه ممثل يمتلك أدواته كاملة، يعرف متى يهدأ ومتى ينفجر، ومتى يترك الصمت يتكلم بدلًا من الكلمات، وهي مهارة لا يجيدها إلا القلائل.
كما أن هذا الظهور كشف عن جانب مهم في تجربته الفنية، وهو الجرأة في خوض مناطق جديدة ومختلفة، فالتقمص الثقافي ليس أمرًا سهلًا، وأي خطأ بسيط قد يحوّل الشخصية إلى نسخة ساخرة، لكن القس تعامل مع الدور بحساسية واضحة وبحث في التفاصيل، وهو ما جعل المشهد يبدو وكأنه جزء أصيل من الحكاية لا عنصرًا دخيلًا عليها.
و، قد لا يكون هناك تصريح من نجم هندي، وقد لا تكون هناك إشادة عالمية موثقة، لكن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد التعليقات بقدر ما يُقاس بمدى اقتناع الجمهور، ومحمد القس نجح في أن يجعل المشاهد يصدق الشخصية بالكامل، بل ويقارنه تلقائيًا بنجوم بوليوود، وتلك في حد ذاتها شهادة كبيرة، لأن الفن حين يصل لهذه الدرجة من الصدق، فإنه يتجاوز الجغرافيا دون أن يغادر مكانه.

تعليقات
إرسال تعليق