القائمة الرئيسية

الصفحات

نجمان من عالمين مختلفين.. محمد القس يتصدر المشهد عالميًا بـ«حي الجرادية» وHiten Tejwani يشعل بوليوود بنجاحه المتجدد



الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 


في لحظة نادرة لا تتكرر كثيرًا في صناعة الترفيه، يلتقي النجاح العربي بالوهج الهندي على خريطة واحدة، وتتصدر الأسماء القادمة من ثقافات مختلفة قوائم المشاهدة والبحث عالميًا، ليصبح المشهد وكأنه مباراة مفتوحة بين مدرستين في الأداء والنجومية، لكن القاسم المشترك بينهما هو الموهبة الحقيقية والحضور الطاغي، وهنا يبرز اسم النجم محمد القس الذي خطف الأضواء عربيًا وعالميًا بعد النجاح الكاسح لمسلسله «حي الجرادية»، بينما يواصل النجم الهندي العالمي Hiten Tejwani تأكيد مكانته في بوليوود من خلال أحدث أعماله التي أعادت تقديمه بصورة أكثر نضجًا وقوة، ليبرهن الاثنان أن الفن الحقيقي لا يعرف لغة ولا حدودًا.


محمد القس لم يصل إلى القمة بضربة حظ أو موجة عابرة، بل جاء صعوده نتيجة سنوات طويلة من التراكم الفني والاجتهاد الهادئ والعمل الصادق، فالرجل الذي اعتاد الجمهور رؤيته في أدوار متنوعة ما بين الدراما الاجتماعية والإنسانية، قرر هذه المرة أن يغامر ويقتحم منطقة أكثر عمقًا وتعقيدًا من خلال «حي الجرادية»، العمل الذي لم يكن مجرد مسلسل عادي يُعرض في موسم مزدحم، بل تحوّل إلى ظاهرة مشاهدة حقيقية، حيث تصدّر نسب المتابعة وتربع على قوائم البحث، وبدأ اسمه يتردد في منصات التواصل من الخليج إلى المغرب، ومن العواصم العربية إلى جمهور أجنبي يتابع الدراما المترجمة بشغف واضح.


اللافت أن سر نجاح القس لم يكن فقط في حبكة العمل أو جودة الإنتاج، بل في أدائه التمثيلي الذي جاء طبيعيًا لدرجة الإقناع الكامل، أداء خالٍ من المبالغة، يعتمد على التفاصيل الصغيرة ونظرات العين قبل الكلمات، وهو ما جعل الشخصية التي يقدمها قريبة من الناس كأنها واحد منهم، ابن حارة حقيقي يعيش أزماتهم ويحمل وجعهم ويعبر عنهم، فصار المشاهد يرى نفسه فيه، لا مجرد ممثل يؤدي دورًا على الشاشة، وهنا تحديدًا تولد النجومية الحقيقية، عندما يتحول الفنان إلى مرآة للجمهور.


ومع توالي الحلقات، بدأت المؤشرات العالمية تتحدث بلغة الأرقام، نسب مشاهدة مرتفعة، تداول واسع، واقتباسات من المشاهد تنتشر كالنار في الهشيم، حتى بات اسم محمد القس حاضرًا في منصات عربية ودولية كمفاجأة الموسم، وكأن العمل فتح له بوابة جديدة نحو العالمية، ليثبت أن الدراما العربية قادرة على المنافسة إذا توفرت لها العناصر الصحيحة من نص قوي وأداء صادق وإخراج واعٍ، وأن الممثل العربي لم يعد حبيس الإطار المحلي بل قادر على فرض نفسه في ساحة أوسع بكثير.


وعلى الجانب الآخر من القارة، وفي قلب صناعة السينما الهندية الصاخبة، يواصل Hiten Tejwani كتابة فصل جديد من مسيرته الطويلة، فالنجم الذي تربى عليه جمهور الدراما الهندية لسنوات لم يكتفِ بالنجومية القديمة، بل عاد مؤخرًا بأعمال أكثر نضجًا، واضعًا خبرته الكبيرة في خدمة أدوار مركبة تحتاج إلى ممثل يعرف جيدًا كيف يوازن بين الأداء الشعبي والجاذبية السينمائية، وهو ما فعله ببراعة، حيث تمكن من تحقيق نجاح لافت في أحدث مشاريعه داخل بوليوود، وسط منافسة شرسة لا ترحم.


تيجواني يمثل نموذجًا للنجم الذي يفهم قواعد اللعبة جيدًا، فلا يعتمد فقط على الوسامة أو الكاريزما، بل يشتغل على تطوير أدواته باستمرار، يختار أدواره بعناية، ويحرص على أن يترك بصمة مختلفة في كل عمل، لذلك لم يكن غريبًا أن يستقبله الجمهور بحفاوة كبيرة مع كل ظهور جديد، وأن تتحول مشاهده إلى تريند داخل الهند وخارجها، خاصة مع الانتشار الضخم للدراما الهندية عالميًا.


والمثير للاهتمام أن المقارنة بين محمد القس وHiten Tejwani تكشف تشابهًا أكبر مما نتخيل، فكلاهما ينتمي إلى مدرسة الأداء الصادق بعيدًا عن الاستعراض، وكلاهما يعتمد على قوة الشخصية لا على الضجيج الإعلامي، وكلاهما وصل إلى مكانته الحالية عبر رحلة طويلة من الاجتهاد وليس عبر قفزة مؤقتة، لذلك جاء نجاحهما متماسكًا ومستحقًا، لا مجرد فقاعة سرعان ما تختفي.


اليوم، وبين حي شعبي عربي ينبض بالحكايات في «حي الجرادية»، واستوديوهات بوليوود المليئة بالأضواء والرقصات والاستعراضات، يقف اسمان يثبتان أن الفن الجيد قادر على عبور الحدود بسهولة، وأن الجمهور في النهاية يبحث عن الصدق قبل أي شيء، عن ممثل يشعر به لا يستعرض أمامه، عن قصة تمسه لا مجرد أحداث عابرة، ولهذا تحديدًا احتل محمد القس المرتبة الأولى عالميًا في قوائم الاهتمام، ولهذا أيضًا يواصل Hiten Tejwani حصد النجاح بثبات.


إنها لحظة جميلة للفن، لحظة تؤكد أن المنافسة لم تعد محصورة بين الشرق والغرب، بل أصبحت بين الجودة والسطحية، وبين الاجتهاد والصدفة، وبين من يحترم عقل المشاهد ومن يستهين به، وفي هذه المعادلة الصعبة، نجح النجمان في كسب الرهان، وكتبا اسميهما بحروف واضحة على خريطة النجومية العالمية، ليبقى السؤال الأهم: ماذا سيقدمان بعد هذا النجاح الكبير؟ لأن القمة ليست نهاية الطريق، بل بداية تحدٍ أكبر لإثبات أن ما حدث لم يكن استثناءً، بل قاعدة جديدة لمسيرة لا تعرف التراجع.

تعليقات