القائمة الرئيسية

الصفحات

بين التعاطف والسيادة: هل أصبح الوجود السوداني في مصر أزمة مركبة؟

بين التعاطف والسيادة: هل أصبح الوجود السوداني في مصر أزمة مركبة؟


كتبت د / آية ياسين 

منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تحولت مصر إلى الوجهة الأولى لمئات الآلاف من السودانيين الفارين من النزاع. مشهد إنساني مؤلم فرض نفسه على الواقع المصري، لكنه في الوقت نفسه فتح باباً واسعاً للجدل: هل نحن أمام واجب إنساني ممتد؟ أم أمام أزمة تتطلب إعادة تقييم؟

المقال لا يسعى إلى شيطنة أحد، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: ماذا يحدث عندما يتحول الاستقبال الطارئ إلى إقامة طويلة الأمد بلا إطار واضح؟

أولاً: المشكلات على أرض الواقع… ماذا يقول الشارع؟

بعيداً عن الشعارات، هناك مشكلات يطرحها قطاع من المواطنين المصريين، منها:

1. الضغط على الخدمات العامة

زيادة الإقبال على المدارس الحكومية والمستشفيات الحكومية خلق شعوراً بالمنافسة، خاصة في مناطق معينة ذات كثافة سكانية مرتفعة.

2. سوق العمل غير الرسمي

دخول أعداد كبيرة إلى سوق العمل، خصوصاً في المهن الحرة واليومية، أدى إلى انخفاض بعض الأجور نتيجة زيادة العرض، وهو ما يثير استياء بعض العمالة المصرية.

3. تغيّرات اجتماعية سريعة

التجمعات الكبيرة في أحياء محددة خلقت احتكاكات اجتماعية أحياناً، ليست بالضرورة بسبب جنسية معينة، ولكن بسبب سرعة التحول الديموغرافي.

لكن السؤال الأهم:

هل هذه المشكلات سببها "السودانيون" كجنسية؟ أم غياب تنظيم واضح ودمج منظم؟

ثانياً: الأفروسنتريك… من نقاش أكاديمي إلى توتر مجتمعي

في السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول خطاب “الأفروسنتريك” الذي يرى أن الحضارة المصرية القديمة ذات جذور إفريقية خالصة. هذا الطرح – بغض النظر عن صحته التاريخية – انتقل من دوائر أكاديمية إلى وسائل التواصل، وتحول أحياناً إلى خطاب صدامي يمس الهوية الوطنية.

المشكلة لم تكن في البحث العلمي، بل في طريقة الطرح.

عندما يتحول النقاش التاريخي إلى اتهام بالاستحواذ على الهوية، أو إنكار متبادل، يصبح الأمر حساساً في مجتمع يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية.

وهنا حدث خلط خطير:

بعض الأصوات ربطت بين الوجود السوداني في مصر وبين هذا الخطاب، وكأن اللاجئ أو المقيم مسؤول عن جدل فكري عالمي. هذا الربط غير عادل منطقياً، لكنه موجود في الخطاب الشعبي، ويؤثر على المزاج العام.

ثالثاً: هل نحن أمام تهديد فعلي؟

مصطلح “التهديد” يحتاج تعريفاً دقيقاً.

هل هناك تهديد أمني منظم؟ لا توجد مؤشرات عامة على ذلك.

هل هناك ضغط اقتصادي؟ نعم، لكنه مرتبط بالوضع الاقتصادي الكلي.

هل هناك احتقان اجتماعي؟ أحياناً، خاصة مع غياب سياسات دمج واضحة.

إذن نحن أمام أزمة إدارة أكثر من كونها أزمة وجود.

رابعاً: أين تقف الدولة والمجتمع؟

الدولة المصرية فتحت حدودها بدافع إنساني وسياسي مفهوم، لكن استمرار الأزمة السودانية يجعل من الضروري:

وضع إطار قانوني واضح لتنظيم العمل والإقامة.

توزيع الكثافات السكانية جغرافياً لتقليل الاحتكاك.

إطلاق خطاب إعلامي عقلاني يمنع التعميم والكراهية.

وفي الوقت نفسه، الاعتراف بمخاوف المواطنين وعدم تجاهلها.

تجاهل المشكلات لا يحلها، كما أن تضخيمها يحولها إلى صراع وهمي.

الخلاصة الجدلية

الوجود السوداني في مصر ليس جريمة، وليس أيضاً ملفاً مثالياً خالياً من التعقيدات.

الإنسانية لا تتعارض مع السيادة، والتعاطف لا يلغي حق الدولة في التنظيم.

السؤال الحقيقي ليس:

"هل السودانيون مشكلة؟"

بل:

"هل لدينا سياسة واضحة تحمي مصالح الجميع؟"

المعضلة ليست في الضيف، بل في غياب إدارة طويلة المدى لواقع لم يعد مؤقتاً.

تعليقات