الإخبارية نيوز:
من وهن الفجوة إلى قوة السيادة
في زمن تتهاوى فيه الأمم تحت وطأة «خوارزميات التغييب» التي تسرق العقول وتميع الهويات، لا يكون الحصن المنيع مجرد جدار من حديد، بل غرسة تغرس في القلب منذ المهد، وكلمة تكتب على جواز سفر فتصبح دستور كرامة لا يخترق. بينما تتساقط الدول من حولنا، وتتحول الشعوب إلى قطعان رقمية تلهث خلف أكاذيب ممولة، يقف الوطن المصري في قلب العاصفة، لكنه يواجه عدوين لدودين: فجوة إدراكية بين المواطن ورجل الشرطة تحول الحامي إلى خصم في المخيلة الشعبية، وهجرة عقول ومدخرات تحول المغترب من قوة ناعمة إلى فريسة سهلة لآلات التضليل. اليوم، لا نكتب مقالاً عابراً، بل نرفع إلى القيادة السياسية «مشروعين وطنيين» بامتياز: الأول بغرس «الشرطة الأب الحامي» في مناهج رياض الأطفال، والثاني بكتابة «كرامتك سيادة الدولة» على جواز السفر المصري، لنصنع بهما جيلاً يعيد تشفير علاقته بدولته، ومواطناً يحمل كرامته أينما حل. هذه ليست أمنيات، بل هندسة سيادة تنتظر من يقرر.
«الشرطة الأب الحامي»: حين يصبح رجل الأمن قدوة الطفل الأولى
لطالما تغنى خطابنا الإعلامي بأن رجل الشرطة هو الدرع والسيف، لكن الحقيقة المرة أن الطفل المصري لا يزال يكبر على صورة ذهنية مشوهة؛ فكم من أم هددت صغيرها قائلة: «اسكت هاجيبلك العسكري»، ليترسخ في لاوعيه أن الشرطي عقاب لا أمان، وخصم لا حامٍ. هذا التشوه الإدراكي هو أخطر «خوارزميات الفجوة» التي زرعها إعلام مغيب وسلوكيات مجتمعية خاطئة على مدى عقود. العلاج لا يكون ببيانات رسمية تعلن في الفضائيات، بل بجراحة دقيقة تبدأ من المهد: إضافة مادة تعليمية أساسية في مناهج رياض الأطفال باسم «الشرطة الأب الحامي». مادة لا تُدرس كدرس تقليدي، بل كلعبة تفاعلية يومية: يسأل المعلم بصوته الدافئ: «يا أولاد، رجل الشرطة يعني إيه؟»، فترتعد ألسنة الصغار بفرحة الواثق: «الأب الحامي!». يُعيد المعلم: «ومعنى إيه الأب الحامي؟»، فيجيبون كالفراشات: «نحبه، نحترمه، ونخاف نعمل غلط عشان ما يعاقبناش!». هذا المشهد التربوي البسيط، حين يتكرر في آلاف الفصول، سيعيد برمجة العقل الجمعي لجيل كامل. إنها معادلة ذهبية: «الحب، الاحترام، والخوف من الخطأ فقط»، لا الخوف من الإنسان الذي يرتدي زي الدولة. هذه المادة ليست ترفاً، بل «تطعيم سيادي» ضد فيروسات التضليل التي تجعل من الحامي هدفاً، ومن المواطن خصماً.
«كرامتك سيادة الدولة»: جواز السفر رسالة وطنية لا وثيقة سفر
عشرات الملايين من المصريين يحملون جوازات سفرهم كل يوم، يعبرون بها حدوداً ومطارات، ويواجهون نظرات الآخرين. لكن الجواز المصري اليوم ليس مجرد وثيقة سفر، بل هو صفحة بيضاء تنتظر من يكتب عليها معنى جديداً للكرامة. تخيل أن يفتح مواطن مصري جواز سفره، فيقرأ في أول صفحة داخله عبارة بخط بارز: «كرامتك سيادة الدولة». هذه العبارة ليست شعاراً، بل «عقيدة دبلوماسية» جديدة تعلن للعالم أن أي مساس بكرامة حامل هذا الجواز هو مساس بكرامة الدولة المصرية ورئيسها. إنها رسالة للمواطن قبل المسؤول: أنت لست رقماً في كشوف الهجرة، بل أنت سفير تحفظ كرامتك كما تحفظ حدود الوطن. هذه الخطوة البسيطة في تنفيذها، العظيمة في أثرها، ستتحول إلى وقود نفسي هائل للمصريين بالخارج. كم من مغترب شعر بالخذلان في مطار أجنبي، أو تعرض لإهانة صامتة، فتمنى لو أن وثيقته تحمل خلفها «دولة ثقيلة» لا تتهاون في كرامة أبنائها؟. كتابة هذه العبارة على جواز السفر هي إعلان أن مصر الجديدة التي يبنيها الرئيس السيسي لا تترك مواطنها فريسة للغربة والضياع، بل تسبقه هيبته أينما حل.
المصريون بالخارج: من كنز مهمَل إلى سفراء صناديق استثمارية
لا يكتمل تحصين السيادة دون حماية المصريين بالخارج من «آلات التغييب» التي تلتهم وعيهم عبر منصات رقمية ممولة. هؤلاء المغتربون، الذين يقدرون بنحو 10 إلى 15 مليون مواطن، تحولوا في غياب استراتيجية وطنية واضحة من قوة ناعمة محتملة إلى تابعين في جيوش إلكترونية معادية. العلاج لا يكون بمكافحة الأعراض، بل بخلق «بدائل الثقة» التي تربطهم بالوطن. هنا نقترح إنشاء صناديق استثمارية صغيرة، تديرها جهات حكومية سيادية بضمانات رئاسية، مخصصة للمغتربين فقط. الآلية بسيطة: يتحد 15 مغترباً، يستثمر كل منهم ما بين 15 إلى 20 ألف دولار، في مشروع صغير (زراعي، صناعي، عقاري) عبر شركة مساهمة باسمائهم. العائد الاستثماري يفوق أي بنك أوروبي، والضمان سيادي لا يعرف المخاطرة. المكسب مضاعف: المغترب لا يرسل حوالات فقط، بل يبني مشروعه المستقبلي الذي ينتظره عند عودته، فلا يجد نفسه يبدأ من الصفر. الوطن يستفيد من رؤوس أموال أبنائه في مشروعات حقيقية على أرضه. هذا الربط بين «الجيب والقلب» هو أقوى تحصين ضد أي اختراق فكري، بل هو «الخوارزمية البشرية» التي نقترحها لمواجهة الخوارزميات الإلكترونية.
السفارة «تايمز سكوير»: عندما تتحول الدبلوماسية إلى إبهار بصري
بينما تنام سفاراتنا على روتين دبلوماسي لا يختلف عن حقبة ما قبل الرقمنة، تعمل آلاف اللجان الإلكترونية ليل نهار على تشويه صورة مصر. الحل الجذري يكمن في تحويل كل سفارة مصرية إلى «تايمز سكوير» مصغرة. تخيل أن تكون واجهة السفارة مغطاة بشاشات عرض عملاقة تبث ليل نهار باللغات المحلية مشاهد الإنجاز المصري: العاصمة الإدارية، محور روض الفرج، اكتشافات أثرية تدهش العالم. مواطن مصري في برلين يمر على السفارة في طريقه إلى العمل، فيشاهد فيلماً وثائقياً عن «مصر الجديدة». هذا المشهد البصري اليومي سيكسر الصورة النمطية التي تزرعها آلات التغييب. بل الأهم أن هذه الشاشات ليست موجهة للمصريين فقط، بل للأوروبي والأمريكي الذي سيرى بعينيه أن مصر لم تعد كما كانت. هذه هي «القوة الناعمة» بأسعار زهيدة، تحتاج فقط قراراً سيادياً يكسر روتين «الجدران الصماء».
إما أن نصنع السفراء.. أو نخسر الأجيال
وأختم مقالي بعزة السيادة لمصر الجديدة التي يقودها الرئيس السيسي في عامنا الجديد 2026، برسالة إلى القيادة السياسية: ما نطرحه اليوم ليس اقتراحات عابرة، بل «صرخة وجودية» في زمن باتت فيه السيادة تبدأ من حيث يقف آخر مواطن. فمادة «الشرطة الأب الحامي» ليست حصة دراسية، بل مشروع تأسيس جيل. وعبارة «كرامتك سيادة الدولة» على جواز السفر ليست نقشاً، بل دستور كرامة. والصناديق الاستثمارية للمغتربين ليست أدوات مالية، بل خنادق وعي. وشاشات العرض على السفارات ليست دعاية، بل نافذة يطل منها العالم على مصر. كل هذه المقترحات تحتاج فقط إلى قرار سيادي واحد، يتخذ اليوم، لتحويل 15 مليون مغترب إلى 15 مليون سفير، ولتحويل كل طفل مصري إلى مواطن يرى في الشرطي أباً حامياً. إما أن نكون نحن من يصنع السفراء، وإما أن نترك الأجيال القادمة فريسة في معركة الوعي التي نخوضها الآن بلا جيش ولا عدة. الكرة الآن في ملعب «الغرفة المغلقة».. فهل من مستجيب قبل فوات الأوان؟ هذا ليس اقتراحاً، هذا «مانيفستو السيادة» ينتظر القرار.

تعليقات
إرسال تعليق