كلما نظرت إلى السماء و فكرت أين يمكنني
أن أجد الله
تذكرت وجعي و عدت أهزي كعادتي
بأوجع الكلام
فلي لغةٌ من حوار الوجع مع النسيان
فأتبع ظل معطفي بكل
المسائات
فلا وراثة للغريب في النجاة من جسد
الغائبين
فمن كان المتوفي بيننا أنا أم
آخري
فشكراً لك يا يوسف لأنك علمتنا أن لا نسلم
على إمرأة
و هي تدلك نهدها و فخذها بالرمل أمام
جمعةَ من الرجال
العابرين
شكراً لأنك بدلت طريقك عن طريقها و مضيت
باحثاً على الله
و لكنك نسيتنا خارج كوكبك المؤلوف البعيد
فأهملتنا حتى نزعنا
الأخير
هناك بقرب من بحيرةٍ معزولة عن الحياة
بلا ماء
حجرٌ قديم و جسدٌ مهجورٌ على ضفاف
الهاوية
بجانبه ثلاثة توابيت تحمل جنازة الغريب و هي
مزرقةٌ بالسواد
و فوق صدري يتكاثر مقبرةٌ مليئةٍ بالأموات و
بالقرابين
صدري الآن يعج بالأشباح الصارخين و هم يلعبون
مع الريح في مدينة خالية
تماماً
فلا أحدٌ يمر من هناك على الجنازة المنسي
لا أحد
و من خلف الكواليس نتحايل على الدور الشريد
بين اللحظات
و لا أحدٌ هناك يحمل البنفسج ليدفن ذاك الغريب
فهو زهر المحبطين
وحده غراب مصابٌ بعينهِ اليمنى من الدعشة
يقف هناك على أحد القبور
و هو يراقب ضجر
الأرواح
و أنا أنا واحدٌ من أهل النسيان غائبٌ هناك و
حاضرٌ بعلتي
لا فرق بعد الآن أن يكسرني الحنين مجدداً و
إن غيبني العدم
فكم إبتعدت عنا يا سيد إسطورتي البعيدة
و أثقلتنا بالكلام
فهل كنتَ هناك يا يوسف لترى ما لا كنا نرى
من سقوطنا الطويل
أم إحتضنت كل الغياب لوحدك و مضيت للسماء
دوننا فتركتنا للظُلامات
فمن لا يقرأ الآن من نشيد الموت موتنا
فلن ينجو
من لعنتك و من لعنتي بقسمة
الحياة
تناهدت كل الارواح وجعاً و قد ضاعت
كل الأمنيات فينا
و قد قرأت عنا يا يوسف ما لم نقرأ نحن مما
قرأت أنت وحدك
في زمن العجز و النهوض من موتنا البريء
للموت الجريء
فقل لي هل أعاتب زمني المكسور سحقاً
و كآبةً و ألعنه ُ
أم أجلس على عبتة السنين فأعاتبك و أحضنك
بشدة و أبكي دونك
فلما أوهمتنا يا يوسف بآياتك عن الكواكب
و النجوم بزمن البدايات
لما قلت لنا بأن السماء تستجيب لدعاء المظلوم
و تعين بالمعحزات
فأدمنتنا في التأمل الشحيب دون نجاةٍ و كم كسرتنا
بسير الحكايات
أألست الذي من قال لنا بأن الطيب يوما ما سينتصر
على الشر و إن طال
زمنه
فلما إذاً نقشتنا في الحجر عدماً دون أن ننتصر
على شيء في هذه
الحياة
فكم خضنا حروب الإستعارات بالطعنات و كم
تعذبنا بيومنا الذليل الطويل حتى
الممات
فكيف تهنا غرباء منكسرين عن أنفسنا
هكذا
و نحن مقيدين بباب الموت في
الثبات
لما رجعتنا للوراء بألف حكايةٍ و حكاية و نحن
منهزمين بلا مأوى
لقد خنتنا يا نبي الله قد خنتنا مرةً أخرى مثل
اخوتك فأوجعتنا ألماً ألماً
فسيري بكامل نقصاني ببطئٍ يا أيتها
الحياة
سيري إلى عتمتي و إلى ظلامي بين
وجعين كبيرين
فالذئبُ يا يوسف كان أرحم من الذين كانوا يسكنون
الروح و لذوا بالفرار
هاربين
و الذئب يا يوسف الصديق كان أرحم من أهل
بيتي و كان أرحم من أولادي
المتعبين
فلما علمتنا بأن القداسة بالطيبِ محفورٌ بالإيمان
يا مالك الروح في الإنكسار
يا جرحاً آخراً بقي بمنتصف كل شيء لينزف
بسلة الهزائم
فلما قلت بأن الأخلاق ستقُودنا لبر الأمان بسلام
إلى هناك
فكيف رميتنا في البئر لوحدنا و نجوت بنفسك
فتركتنا نشقى بالكوابيس
هل كي لا نرى الشمسَ فنحيا ثانيةً في الحياة
التي لا تشبه الحياة هناك و لو
بالقليل القليل
فحتى ذاك القليلُ يا سيد الزمان يا إسطورة
الحكايات السعيدة
كان علينا عصياً لندركه من كثرة
الحرمان
فلما أدهشتنا هكذا بسيرة حياتك و حياتنا
و انتصرت دوننا
و لوحدك هناك على من كسروك
فلما سقطنا وحدنا نحن و إنكسرنا هنا لألاف
آلاف المرات و المرات
فيا شيخنا الجليل المعظم من نور
فماذا دار بيننا من أحاديث و بين كل الراحلين
كانت أكذوبة القيامة
فقل لي كل كلامك كله و إختصر كل الوقت بوجع
الرحيل و امضي سبيلا إلى حيث
نموت
قل لنا يا نبي الله هل ضاقت علينا وحدنا يا أمل المنكسرين
يا قبلةً أودعت حياة الملايين
كي نحترق
و نحن واقفين بفراش موتنا الشريد
الأبدي
فماذا سأقول و أقول لمن أجهدوا بروحي المتعبة
المقتولة
و ناموا كالحجر فوق صدري واثقين
بإحتضاري
فلما سأنتظر بعد الآن و كل الأيام تحرق ذاتها بذاتها
و تحرقني بوجع الإنتظار
قل لي يا نبي الله كيف سأنهض من نعشي المعذب
و أصحو بجنازتي بزمن الذئاب و
الكلاب
كيف سأمضي لذاتي القديم و دون أن أنكسر
من جديد في التفاصيل بغياب
من أحب
فهل نتبدل الأدوار يا نبي الله بيننا لنرشد الحالمين
على يأسنا و على جرحنا الكبير
هناك
أم نتباعد أكثر في الرحيل معاً فالساعة لم تعد
تتسع لكلانا
فعلى واحدٍ منا أن يتنازل عن حقه في العيش
و يرحل من الآخر
فأقول لولدي الذي تلاشى صوابه و هو بحضن
إمرأة مستعصية لا تحب
قربنا
يا بني إحتفظ بقميصي القديم المعرق
بالعذاب
و إحفظ شكله و حجم مقاسه و تمعن جيداً لونه
البائةِ الرديء المجعد من تعب
السنين
فعلكَ تحتاج لرائحتي بذات يوم يا ولدي و تشتاق
لزمن أبيك الراحل
عندما يجهدكَ الوقت بمر الألم و تحاصرك الأوجاع
من بعد موتي
فلا تنادي عليَ أبتي
و عندما تكسرك الحياة على سفحك الأخير لا تبكي
بالفراغ و تندم
لا تكن فظاً في الخسارة هناك
و كلما جاء ولدك و أوجعك مع الزمن الطويل
تذكر صورتي الحانية للهلاك و بحة
صوتي في البكاء
و لا ترمي يا ولدي مكان النبع حجراً على جسد
أبيك
كي لا تسقط السماء من جسد
موتي
لتنتقم من ذاتك فتغتال حياتك عبثاً بوجع
الزمان
فإني أخاف عليك من التباعد كثيراً عن سقوطي
و عن ساعتي الاخيرة مع
الموت
فتمهل هناك إن كان لديك من الوقت ما يكفي
لتتذكرني هناك
إنتظر غيابي القريب فربما تنبت بمكاني في قلبك
عشبةٌ توحي لك بمكان أثري
أو ربما يا ولدي ينبثق من حجر قلبك سنبلةً
من بعد الجفاف
فيا بني لا تعجل بموتي المبكر عندما يكون لي
بعض الوقت من الموت
فقط راقب ساعتي عند الرحيل و موعد جنازتي
في سفري الأخير
ستمضي يا ولدي كما مضيتُ أنا مع السنوات
بذاك العمر المكسور المذبوح بأيامٍ لا
تشبه الأيام
تمهل يا بني فلا ترمي بكل أشيائي من حياتك
يا ولدي
تمهل و قف هناك عند أبواب الحنين و فكر بكل
أسماء الراحلين من حياتك
و راجع كل أجزاء السنين معهم و كل التفاصيل
كي لا تبحث عنها غداً فيما بعد
عدماً
فمنذ مدة و أنا أبحث في ذاكرتي يا ولدي عن أي
شيء يذكرني بأبي
الله على زمن أبي
الله على رائحة أبي
الله على تعب أبي و صورته و جرح أبي فينا
فالقد كبرنا و كبرنا و نحن صغاراً و لكننا لم نكبر
إلا
بسنوات الضياع حزناً على
أبي
فلا تعد مثلي بزمنٍ ما يا ولدي أو بوقت ما
و أنت
ترجع نادماً باحثاً عن أي شيء من حياة أبيك الراحل
لتتذكره بالحنين
فكن يا ولدي كما أنت كنت معي دائماً صلباً
عنيداً
كالحديد أمام الريح من بعد
الغياب
و لا تنطق بإسمي من الفراغ و من الهزيمة بعدي
لتقول أبتي أبتي
فإن الأموات النائمين يا ولدي
الراحلين من أرواحنا لا يسمعون صراخ و نداء
الأحياء
و ربما هم لا يقرؤون لغة الكلام من القصيدة
إن بقي هناك كلام بعد كلامهم
فلا تكسرني عليك وجعاً يا ولدي بعد الموت
لألف مرة فلا أقوى على
وجعك
و لا تجعل من نفسك مثلي وقوداً بمحرقة الآخرين
فتخسر كل حياتك دون أن تدري
بأنك قد خسرتها
فتخلدُ بين أحشائك جحيماً مراً فلا يرحمك من نار
الإشتياق لزمني
فإنتظرني لكي أرحل منك يا بنيَ و إنتظر
حتى
تعيد النظر بكل أشكال الحياة و بالدروب التي
تأخذك لأبيك
فالحياة يا ولدي ليس إلا محطة العذاب بذاكرة
تعذبك بالحنين فتأخذك من العذاب
للعذاب
فلا تمتحني أكثر بالوجع عليك بعد موتي
فأنا لا أتحمل وجع أكبادي
المتعبين
فإرحمني من عذاب النار فيكفيني ما ذقته بجحيم
حياتي كلها بسنوات الخذلان
فاليوم يا ولدي إن بكيت بقسوتك مراً فحتماً
في غدكَ ستبكي مثلما أبكيتني دموعاً من جنونك
بحسرتي
قل ليوسف لقد سبقتني لجهة الموت و
نسيت نعشي
فشكراً لك يا يوسف على أورثتنا من علماً
و دين
فلا تصمت أكثر بأوجاعنا يا نبي الله المعظم
الرشيد الرصين
فقد كسرتنا ثانيةً و تركتنا نرسو بشطأن الحرمان
بكل القرابين البعيدين و تحطمت
مراكبنا
فكيف نعود لديارنا المستحيلة و ماذا ستفعل أكثر
مما فعلت من أجلنا
لنحيا
و ماذا سنفعل نحن أكثر مما إنكسرنا ضائعين
من أجلك لتقوم الساعة
فالحياة قد تكالبت مراً و أوسعت بجرحنا بساحاتها
و أوصلتنا إلى أماكن لا حياة
فيها
فأقول و أقول لمن لعبت كالفراشة فوق صدري
لإبنتي الصغرى
قفي هناك يا إبنتي بذاك الزمن الراكض في المتاهات
و إتركيني كطيرةٍ غرها السفر
البعيد
و لا تحملي صورتي القديمة بأحضانك معكي
بدروب النسيان
و لا تبكي ندماً على موت أبيك إن كنتِ في البعيد
و أنتِ تشفقين على الذكريات
بالدموع
فالصورة قد تحطمت بشكلها و مُقامَها بيوم زفافك
البعيد البعيد
فلا تعبثي خلف الجنازات بصور الذكريات والأموات
و أنتِ تشهقين بالحنين ألماً و
تتعذبين
و لا تسقي قلب الحجر بجسد المتوفي الغريب
بالماء المالح البارد
لكي يخضر العشب فوق قبر الغريب لتوهمي نفسكِ
بأنك
قد غفرت بذنب أبيكِ عبثاً فتتصالحي
مع الغياب
فالأشياء التي تذهب للموت البعيد لا تعود ثانية
يا صغيرتي
فالعمر لا يعود للوراء و الحياة لا ترحم أبناء
الهلاك
لا لا ما هكذا تكون الود و الحديث بين الأحياء
و بين الأموات الراحلين
فالطقوس لم تعد طقوس العدالة إنما هي
إعتبارات الخاسرين
دعي يا ابنتي كل تفاصيل الغياب لأهل
الغياب
و إنسجمي مع أيامك العصيبة و استريحي
هناك دوني
و لا تعودي من هناك لذات المكان القديم فتبكين
بعد الوداع في زمن السراب على أيام
السراب
فلكِ من حياتي كل دموعي طويلاً و كل حكاياتك
بأيام الطفولة
و ساعات اللعب و اللهو معي بابا
بابا
قد تناثرت كل الأيام حزناً يا ابنتي و قد لعنتنا
كل الأرواح الشريرة
فقولي لما تركتنا نشقى بكل اللعنات يا يوسف
يا صاحب الزمان المعذب و صاحب
كل الحكايات
قل لنا يا سيدنا يوسف ماذا كان ينقصنا
لنعيش مكرمين ... ؟
فإلى أين تأخذنا السنين و كل الدروب قد ماتت
بإنكسارها بزمن الراحلين
البعيدين
قل لنا لما كل العناوين باتت تتراجع للوراء
و الزمن
التعيس لا يفارقنا بالتخاذل
لماذا تلاشت منا و صارت العناوين مجرد فراغٌ و فراغ
و ألمٌ بصور الذكريات و الحنين
لا أحدٌ هناك لا احد و لا أحدٌ الآن معي و لم يعد
من هناك أحد
و لا أحدٌ تذكر صورتي و عاد نادماً
ليحضنتي بالحنين
فترانا نسافر بالذاكرة إلى أماكن و حكايات
قديمة كنا أبطالها
ثم نعود منها بخيبة أمل منهزيمين و محبطين و نحن
نجرو
بكل أنواع الأوجاع و الخسارة و
نبكي
فأعدنا يا يوسف من هناك إلى هناك لآخر الزمان
لآخر المكان الذي سكنَ
فينا
فأعدنا لأيامنا الأولى للبرائة الدافئة بلا هزيمة
و بلا وداع
أعدنا لبيتنا القديم قبل الفراق
لجمعتنا مع بعضنا كعائلة
واحدة
لفراشنا
لمسائنا
لخبزنا
لملحنا
لحديثنا مع أولادنا و هم صغار
و لمناماتٍ كانت تأخذنا بأزهار الياسمين لجهة
السعادة المبتكرة
لقد كنتَ على حق يا سيدي عندما عدت لبيتك
المسلوب معافاً و لحضن
أبيك
فالطريق إلى بيتنا القديم هو أرحم من خيانة
الزهور بالمنفى
تأملت هناك و لقد كنتُ أتحتضر في سكوني
المتردد
بأن أعيش هناك بذات
يوم
لكن الحظ السيء قد أوعظني بالهلاك منذ أن
وصلت
لإدراكِ المتأخر لحقيقة الأشياء
و كنت هناك يا سيدي دوماً أفتش من بين
بقايا الأيام
عن سر السعادة الزوجية و بساطتها بحضن
إمرأة بسيطة
بالسنوات الثلاثين المنصرمة التي ضاعت
كالغبار في الضياع
لكني قد عجزت بولادة الحلم مكسوراً منذ البداية
فكسرتني الخيبات
و عجزت ُ طويلاً عن الوصول إلى قلوبٍ تحجرت
في السواد الأبدي
فغلبتني بلعنتها و انتصرت عليَ و هي منتصرة
بالكفر الحرام دائماً
يا لفاجعتي الكبرى فماذا عساي أن أفعل أمام
هذا الطوفان القاتل من
الأوجاع
لقد عدت و ثم عدت من زمن القتيلِ إلى
زمن التحسر و الإنقلابات المتمردة و لوحدي
أتظاهر بالحياة البعيدة
رغم انشغالي الطويل مع اللاوقت بسلة جراحاتي و
بالذكريات و بكلمات القصيدة
المؤنسة للروح
فتلاشت مني كل سنواتي و كل قناعاتي و كل أحلامي
البريئات في زمن
الخسارات
فيا نبي الله المعظم لا تبكي و تدمع عليَ مع الحجر
ألماً فتكسرني بحزنك
العظيم
لا تبكي تمهل فقط و كن شاهداً بوجهك البريء
المشع بالنور أمام الله
قل ل لله كفى تحرقون بما إنكسروا في
الهلاك
و إشهد على نكستي و على وجع الحكايات الطويلة
بيوم القيامة المثقلة
بالإنكسار
و على كل العذاب و على كل الظلم الذي
أحرقنا و نحن أحياء
لتكون عادلاً هناك بيني و بين الظالمين بمحكمة
العادلين بين القتلة و الضحايا
فلا تزرف بدموعك الثلجية و تسقطها فمثلي لا
يستحق
دموع الأنبياء التي تشبه نجوماً و شهب
فأين حصتي من الحياة
فأنا الذي من نزفت بدمائي سُداً و أنا من أحرقت
بحياتي كلها
من جهل طيبي و من تحمري
بالحماقات
فالحياة قد أشقت بمر أيامي الثكلى و شيبتني
بالشيب من قهري و من
المأساة
فلم أحيا يوماً كما الآخرين تنعموا بالحياة
فرحاً و غنوا للصباح
و لم أحلم يوماً كما الآخرين حلموا و عاشوا منسجمين
مع أحلامهم و بمسائهم المضيء
بغيابي
و لم أعرف يوماً ما هو شكل حلم الأموات البسيط
غير جحيم الموت
قد كنت بطول السنين و أنا أخيطُ و أطرز بثوب
الكفن للرحيل
فإحملني يا يوسف كما حملوك الملائكة بأجنحتها
مع الريح
فإحملني على عجلٍ من حاضري المر إلى
أمسي البريء
ملاكاً سالماً أطير حراً بسماء الحدس بين الكلمات
بمخيلتي
و إعفو عني بالذنب الكبير و أنا أجهد بجسد
القصيدة و ألعنها
فإن استطعت سامحني يا نبي الله
سامحني
لأني أتعبت روحكَ النقية برحلتي المشؤومة المعذبة
بالهلاك
فقد تعبت و تعبت
تعبت من بعد الحياة عني و من كل الليالي الطويلة
بسهري الأبكم
اللعينة
فخذني لبعيدك البعيد إلى هناك و أشفق بحالي
قليلاً و خذني يا معجزة كل
زمان
أشفق على حالي كما أشفقوا عليك من قبلي
و حرروك
من البئر دون أن تموت
فنجوت
فخذني يا حبيب الله إلى معجزة النسيان
لموتك المشتهى
هناك
و قربني من نعشك لكي أرتاح بلحظة موتي
فاحمله عنك هناك
فيا سيد الصدى بالوجع بالأنين فلم أعد أنفع للحياة
بعد هذا الإنكسار كله يا
صاحبي
فلا هنا رضي و أشفقَ بحالي و لا هناك يا يوسف
أدهشني في الخلاص
و أنا ليس لي ثقلٌ على أحد و لم يعد لي روح
لكي أحيا به
فهم من قتلوني كنعجةِ عيدِهم و أكلوني مراً
كلهم يا يوسف الحزين
كلهم قد قتلوني كشاةٍ جرباء تتنفس وجعها
بلا رحمة
فعلوا كما فعلوا بك المقربين منك من قبل و قد
فعلوا بي أيضاً
بل أشد طعناً من طعنك و أوجع وجعاً من وجعك يا
يوسف فهم شنقوني
لكني لم أمت مثلك سعيداً بخلاصي من اللعنات
و لم أرقص في الصباح مع
العصافير
فأنتَ وحدك قد نجوت من جسد الموت و من
بئر العذاب أما أنا
فلا .....
فلم أنجو يا يوسف يا أيها الملاك الخاسر الحائر
الباهر الشكل
فكم حقدوا عليك و قتلوكَ و رموكَ و دفنوكَ
و أبعدوكَ عن أبوكَ الحزين
و كم بعدوك و أهملوكَ و نسوكَ في البئر و رموك
و عادوا لأبيك و قالوا ..... ؟
أبتي الذئب قد آكل يوسف يا أبانا
فإنكسر أبوكَ و كم كسروك و أنا إنكسرت من
بعدك يا سيدي مدرجاً مع
الريح
فكم أزوك و أجهدوك و عذبوني و أزوني و عذبوك
و كم أدهشوكَ
و أدهشوني حينما أرادوا أن يقتلوك فقتلوني مراراً
و تكراراً
و كم طعنونني بالظهر وجعاً بغدرهم
يا سيدي
قتلوني بكل يوم جديد هم قتلوني يا يوسف
و كم
أكلوا من لحمي كالكلاب المفترسة يا نبي
الله
و كم نسيت من شدة الوجع أن أموت لوحدي
بدون قصيدتي
فقل لي ماذا فعلنا لكي نموت هكذا بهذا الحجم
من الألم و بهذا الحجم من العذاب
الكبير
فياليتني مت معكَ هناك و عدتُ لمكاني القديم
لإختصرت كل الحقيقة
و الحقيقة تقول قد كنا و كانوا و كانوا فكنا
ثم لا شيء
ثم غابوا عنا و رحلوا غادرين و ثم غبنا نحن
عن أنفسنا و عن أرواحنا بالبكاء
و بالأنين
ثم ماذا .... ؟
ثم نكرر الحالة دوماً و نتوجع على من كانوا معنا
فغابوا عنا تائهين
و نحن توجعنا مشرزمين بألف حكاية و
ضعنا تائهين
فعدت ُ أهزي خرفاً بالكلام و الكلام هنا هو
ملكنا وحدنا
فلا حصة للغرباء القاتلين بها و لا حصة لمن مروا
من حياتنا هناك خائبين
قد تاهت البوصلة بدرب العائدين يا رسول الله
لجحيمهم
و إنقردوا كالغبار و تناثروا في الهواء
للبعيد
فهناك من كانت معي تحمل ذنب القسمة و النصيب
لكنها رحلت متأخرة
أخذت كل أشيائها عن قصدٍ و هي تخدع رب العرش
و ذاتها
تلاشت
إنحرفت
كفرت
دمرت
احرقت
كسرت
حطمت كل الأقمار و الكواكب
هربت بصورتها بضحكتها بغنائها الحزين بصوتها
الرنين
و بذاتها و هي تنادي بأسمي حبيبي
كم كنتُ أحبك
تناثرت كالضباب بين يدي بشتاءٍ لا يريد أن ينتهي
أو يزول
سكنت بين موتها و بين حلمها
البعيد
فأجهدت بكل حياة أولادها حزناً و شروداً
و كم أجهدت
تباعدت عن الحقيقة و عن الحب الطاهر
القديم
نكرت بطول السنين و بالقيامة و تناثرت كالضباب
كالضباب تناثرت
طعنت
غدرت
قتلت
خربت
كذبت
شتمت
صرخت
رقدت هناك و استعصت على السماء و على كل
الديانات
و عوت كاكلاب بعواء الماكرين لتكسر الحقيقة
و الحقيقة
هي سواداً مر بقي لذاتها تشرق
بالجرم
فأجمت بكل أجزاء الرحيل و رحلت بشهوتها
لتزرع شوكاً بجسد
الزهور
و تكلبت حينما أرادت أن تمضي متكالبة حتى
آخر حدود الكافرين
رحلت و هي تجرُ ورائها بخيوط التنازل عن
العرش في زمن الحرام
للحرام
فماذا و ماذا و ماذا أقول لها لقد أخذت مكانتها
من جسدي إلى مكان لا شرف
فيه
لقد أخذت تاريخ العمر الطويل كله و رمت به
تحت قدميها و تشردت غريبة تجرُ
انكساري
بغدرها الكبير بجرحها في السفر بفرحها الباكي
بهروبها الطويل لأرضِ الكلاب
و الكلاب هي من رتبت بحلمها الريخص لتكبر
هناك معها
و الكلاب هي من دربتها لتصبحَ هي كلبة
فتشبه كلابهم
فنكست بيمني برحيلها بخنجرٍ لا يرحم ابدأ
الضحية
و نكست بشمالي بلعنة الذكرى و أودعتني
بأوجع العذابات
فيا الله لما كسرتنا بالأمنيات و بأشياءٍ بسيطة
و نحن لا نستحق بأن ننكسر هالكين
هكذا بتلك الأشياء
لماذا كرمْتنا يا الله بالأخلاق و الطيبة هكذا و هكذا
و هكذا
هل لتكسرنا فيما بعد أكثر لأننا نملك الأخلاق
كما هم لا يملكون
لما علينا أن ندفع حياتنا ثمن طيبنا و محبتنا
لهم
و لما نحن لوحدنا محكومٌ علينا بأن نحمل أوجاع
السنين
فقل لنا لما لم ننجو مثلك يا يوسف من بعد الخذلان
و الغدر و لما نجوت وحدك
و لما مازلت صامت و أنا انبح لك بوجع القصيدة
يا يوسف
فشكرا لك يا نبع الحنان و يا نبع السلام فينا
لأنك علمتنا سلام الأنبياء
و بأن لا نشتهي إمرأة و هي تدلك بنهدها و فخدها
لكل الرجال
حمداً لله لأننا نسينا جسد الغجرية التي تغتزل
الشهوات لنفسها وحدها
قد خاننا الزمان و كسرتنا الذكريات و لم يعد هناك
حرٌ و أصيل يا يوسف
فكيف سنقول غداً سيكون أجمل من الأمس
و أجمل من حاضرنا الأليم
فلما و لما و لما يا الله يا ربنا المكلِ بالعدل و بالرحمة والغفران متى ستغفر لجرحي الكبير
و متى ستحاسبهم
فأين محاسبة الظالمين الغادرين القذرين الذين
كفروا بكَ و بنا و أين و أين
و أين
فقاتلتي تبقى هي قاتلتي فهي أرض القلائل
و هي أرض الكثرة من الراغبين
لقد رحلت و راحت تلازم بمرها بغيابها و هي
تكسر
بصورنا القديمة أمام
الريح
فأقول لها لقد أوجعتني أرقاً و ألماً و طعنتي
بروحي لآخر الوجع حتى
قيامتي
فلا تعودي ثانيةً يا صاحبة الطعنات و فارستها
القاتلة المحترفة
فأرحلي لبعيدكِ للبعيد كما تريدين و لا تعودي
من موتنا من هناك لتجددي بموتنا
كوني إمرأة وفية للطعن و للرحيل الطويل
الطويل
فمثلكِ لا يحق لها في التفكير بطريق العودة بعد
هذا الزلزال
فلو كنت أصغر من الملاك الخاسر لما عدت
خاسراً من زمنهم
و لو كنت أكبر من الملاك الحائر لشعرت بمرور
الوقت الذي نسيته
فالقد انكسرت الحياة فينا و انكسر جسر العبور
لذات المكان
و المكان لم يبقى ذات المكان لتعودي
لذات المكان
فأبحثي عن صورتك هناك في تلك الحاويات
القمامة جيداً
و إبكي على أولادك المنكسرين البعيدبن عن روحك
إن استطعتِ أن تبكي ندماً
فعليك اللعنة فالقد أحرقت كل الديانات و
كفرتِ بها
فدعي الكلاب وحدها تنفع و تستفيد من جسدك
المباع لألف كلبٍ بأحلام
الصاغرين
كوني هناك حجراً و لا تعودي فقد تغير كل شيء
هنا و مات كل شيء هنا
و بات يابساً و بائساً و كل الأشياء باتت هنا
حزيناً كل شيء
فأنا و أنتِ لم نعد نشبه بعضنا يا أيتها الناكرة
للجميل
و للسنين الثلاثين التي قضياناها معاً بفراش
واحد
فلم نعد نحيا لنحيا معذبين من لعنة
الأقدار
فشكراً لك سيدنا يوسف .......؟
لأنك قد علمتنا كل الحقيقة عن الكواكب
و عن الشمس
و عن السجود لله خاشعين و نحن
منكسرين
شكراً لأنك علمتنا بأن هناك بشرٍ لا يعرفون في الحياة
إلا طريق الخيانة و الظلم
و إن هناك بشرٌ يدفعون حياتهم للآخرين
و الآخرين هم الحقراء
شكراً لأنك أحييتني بالقصيدة بمعجزة الكلام
و أعدتنا نجسْ نبض الروح
باللحن البعيد
شكراً لك يا يوسف و ألف شكر
لأنك قد قرأت لنا بمر الحكاية عن الذئب و عن
طعن المقربين
فأدركنا شكل الزمان بوجعنا و هلاكنا الكبير فخضنا
حرب العاطفين ثم انهزمنا
خائبين
فعذراً يا أيها المسكين السعيد بإنتصارك هناك
على الغياب و على من أعدموك
فنحن قد كنا من الحمقى و لم نكن مثلك لكي
نتعلم من الحياة
و قد فشلنا و فشلنا لكي نتعلم منك
طريقة النجاة
فنحن كالحمير و لم نعرف سوى السير بطريقنا
قدماً للخيبة إلى يومنا
الأخير
فشكراً لك على ما علمتنا إيه من حكمة تروى
لآخر البشرية و على ما نسيناه
من حياة
و بأن هناك من بعد الحرمان من يعودون من الغياب
للتلاقي بين أهل البيت
الواحد
فلما استعصت علينا وحدنا فالفرق الوحيد بيننا
يا يوسف و بينك يا نبي
الله
هو إنك قد رجعت لمن كانوا يفكرون لإغتيالك
ذات يوم
و تابوا فعدت من موتك المؤجل معافاً من الخيبة
تماماً
أما نحن يا شبيهي الآخر في الموت
فلم نرجع كأهل البيت الواحد و لم نرجع
معافين مثلك
من خيبتنا من هناك إلى هناك لنزرع شتلة الريحان
بمسائنا للسهر و للمباركة كعائلة
واحدة
فالقد تباعدنا كثيراً أكثر من الموت و كم تباعدنا
لآخر الزمان لآخر المكان
و كم عدنا غرباء غرباء كما كنا غرباء و لم نعد
مثلك للديار
فمن كانوا يفكرون بإغتيالنا هناك
تغربوا
و لكنهم نجحوا بقتلنا و قتلونا يا ملك مصر
الأبي
نجحوا بإغتيالنا بلا دفن و بلا قبر و دون وداع
و الأيام هي أصبحت لعنتنا الوحيدة
بالأبدية
فتهنا غرباء عند منحدرات النسيان بزمن النسيان
مع العمر في الهلاك
و لم نعد مثلكَ سالمين من الموت هناك
كما كنا
قبل الوداع يا يوسف
فقل يا رسول اللّه للرب السعيد لكل آليهتك
في السماء البعيدة
عن إنكسارنا
عن جرحنا
عن مأساتنا
عن ذلنا
عن أسمائنا التي ضاعت بهوامش
الأشياء
و عن موتنا مبكرين و عن شبابنا الذي ضاع
في السراب
و تذكر قبورنا و أخبره عن موتنا الطويل هناك
في أبدية الأنكسار
قل لربي و ربك و ربهم القاسي
لقد أدمنتنا على العذاب فكفاك تعذب بأرواحٍ
مسكينةٍ لا ذنب لها بكفر
الأيام
فيا أيها المظلوم المبجل بالصبر الطويل يا سيدي
يا نبي الله المعظم يا نبي الله
المعظم
قل لربي و ربك لقد خانتنا كل الآلهة و كل الكتب
و إستغفر عني هناك على
جنازتي
و اسجد عني سجوداً لله الكريم إن لم أستطع أنا
أن أسجد بوعكة الموت
المحجر
و ربما لا أملك الوقت هناك بوقت الموت
لأعيد بترتيب التوبة و
الإستغفار
و إبكي يا سيدي عني قدرَ ما إستطعت أن تبكي
على
ما خسرت من الحياة و ما أنا
خسرت
قل لربي و ربك بأن كل الدروب قد خانتنا بالقهر
المدوي بالإنهيار
و عن كل العناوين التي خانتنا بالقهر
فصارت
كمقبرة للنسيان بجنازاتنا و لا سور
لها
قل كم أهلكتنا وجعاً تلك الحياة المليئة
بالبراكين
و بصور الذكريات التي تحرقنا بأيام الخيبة
و عن الخذلان الكبير
فتحجرنا كما لو إننا أبناء الهلاك في الحجارة
و كالغبار
تناثرت أرواحنا شروداً و ضياعا
و قد ولدنا منكسرين من النصيب تائهين من
الهلاك المر
ثم متنا هالكين من طيبنا بدون ذنبٍ بالهلاك
و

تعليقات
إرسال تعليق