الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
قبل أن تصل الأغنية إلى الجمهور، وقبل أن يُحسم موعد الطرح أو تُكشف تفاصيلها الكاملة، نجح النجم اللبناني إيوان في إشعال حالة من الجدل والترقب داخل الوسط الغنائي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما بدأ الترويج لأحدث أعماله باللهجة المصرية، في خطوة وصفها كثيرون بالمفاجِئة والجريئة في الوقت نفسه، خاصة أنها تأتي بعد فترة من الهدوء الفني النسبي، ليعود فجأة إلى الواجهة بمشروع يبدو أنه يراهن عليه بكل ثقله، وكأنه يعلن بداية مرحلة جديدة في مشواره الغنائي، مرحلة عنوانها التجديد والاقتراب أكثر من الذوق المصري الذي لطالما احتضنه ومنحه جماهيرية واسعة منذ بداياته.
إيوان ليس صوتًا عابرًا في ساحة الغناء العربي، بل واحد من الأسماء التي صنعت لنفسها مكانة خاصة بفضل خامته الصوتية الدافئة وإحساسه العالي وقدرته على تقديم اللون الرومانسي والدرامي بطابع مختلف، لذلك فإن أي خطوة جديدة له تُقابل دائمًا بفضول وانتظار، فما بالك حين يقرر العودة بعمل مصري خالص، كلماتًا ولحنًا وتوزيعًا، وهو اللون الذي حقق له في السابق نجاحات لافتة جعلت الجمهور يعتبره قريبًا من البيت المصري، لا مجرد مطرب لبناني يجرّب اللهجة.
الكواليس تشير إلى أن الأغنية الجديدة تنتمي إلى الطابع الدرامي العاطفي المشحون بالمشاعر، وهو اللون الذي يجيده إيوان ببراعة، حيث يعتمد على الأداء الصادق والكلمة المؤثرة أكثر من الاعتماد على الإيقاعات السريعة أو الاستعراضات الموسيقية، ما يمنح العمل عمقًا إنسانيًا يلامس المستمع من أول جملة، ويعيد للأذهان زمن الأغنيات التي تعيش طويلًا في الذاكرة ولا تُستهلك سريعًا مع موجة الترند. ومن الواضح أن فريق العمل اختار بعناية عناصر الأغنية، بداية من الكلمات التي تحمل حالة وجدانية خاصة، مرورًا بلحن يفسح المجال لصوت إيوان كي يتصدر المشهد، وصولًا إلى توزيع موسيقي حديث يواكب روح العصر دون أن يفقد الطابع الكلاسيكي الذي يميز أسلوبه.
اللافت أن إيوان لم يكتفِ بالإعلان التقليدي عن عمل جديد، بل فضّل خلق حالة تشويق ذكية، فنشر مقاطع قصيرة وتلميحات غامضة عبر حساباته، دون كشف التفاصيل كاملة، ما فتح الباب أمام سيل من التكهنات والتعليقات، بين جمهور يتساءل عن طبيعة الأغنية، وآخر يتوقع عودة قوية تنافس بقية الإصدارات المطروحة هذا الموسم. هذا الأسلوب في الترويج لم يكن عشوائيًا، بل بدا محسوبًا بدقة، وكأنه يراهن على عنصر المفاجأة وصناعة حالة انتظار حقيقية قبل الضغط على زر «الطرح الرسمي».
ومن يتابع مسيرة إيوان يدرك جيدًا أنه فنان لا يتحرك بخطوات عشوائية، بل يختار توقيتاته بعناية، خاصة حين يتعلق الأمر بالسوق المصري الذي يُعد الأكبر والأكثر تأثيرًا في المنطقة، وبالتالي فإن العودة إليه بعمل جديد تعني بالضرورة وجود خطة واضحة لإعادة تثبيت اسمه بقوة بين نجوم الصف الأول. فالساحة الغنائية اليوم مزدحمة بالأصوات الشابة والتجارب المختلفة، لكن يبقى الرهان دائمًا على الصوت الحقيقي والإحساس الصادق، وهما السلاحان اللذان يمتلكهما إيوان منذ انطلاقته الأولى.
كما أن الغناء باللهجة المصرية تحديدًا ليس مجرد خيار فني، بل رسالة مباشرة للجمهور هنا، تؤكد رغبته في التواصل القريب وتقديم محتوى يعبّر عنهم بلغتهم ومشاعرهم اليومية، وهو ما نجح فيه سابقًا حين قدم أكثر من عمل لاقى انتشارًا واسعًا وتردد في الشارع قبل الإذاعات. لذلك فإن الأغنية الجديدة تبدو وكأنها محاولة لاستعادة تلك المساحة الحميمة بينه وبين المستمع المصري، مساحة تقوم على الثقة والصدق قبل أي شيء آخر.
مصادر مقربة من فريق العمل تؤكد أن التحضيرات استغرقت وقتًا طويلًا نسبيًا، حيث جرى العمل على أكثر من فكرة حتى الاستقرار على الشكل النهائي للأغنية، في دلالة واضحة على أن إيوان لا يبحث عن إصدار سريع يضاف إلى رصيده فحسب، بل عن عمل متكامل قادر على المنافسة والاستمرار، وهو ما يعكس نضجًا فنيًا ورغبة في تقديم جودة حقيقية بعيدًا عن الاستسهال المنتشر في بعض الإنتاجات السريعة.
ومع تصاعد الحماس عبر السوشيال ميديا، بدأ اسم إيوان يتردد بقوة مجددًا بين محبي الأغنية الرومانسية، خاصة أن جمهوره القديم ما زال ينتظر تلك النوعية من الأعمال التي تعتمد على الكلمة واللحن قبل أي مؤثرات خارجية، بينما يجد فيه جيل جديد صوتًا مختلفًا عن الموجة السائدة، ما يمنحه فرصة حقيقية للجمع بين جمهورين في آن واحد، وهو أمر ليس سهلًا في زمن تتغير فيه الأذواق بسرعة.
في النهاية، يبدو أن إيوان يستعد لإشعال الساحة الغنائية فعلًا قبل حتى أن تُطرح الأغنية رسميًا، فحالة الترقب التي خلقها حول العمل تكفي لتؤكد أننا أمام خطوة مدروسة قد تعيده بقوة إلى دائرة الضوء، وربما تفتح له باب مرحلة فنية أكثر نضجًا وانتشارًا. وبين الغموض الذي يحيط بالتفاصيل والتشويق المتعمد في الترويج، يبقى السؤال الأهم: هل نشهد عودة واحدة من أقوى أغنيات إيوان باللهجة المصرية؟ الأيام القليلة المقبلة وحدها ستحمل الإجابة، لكن المؤكد أن النار اشتعلت مبكرًا، وأن الجمهور ينتظر سماع المفاجأة كاملة.


تعليقات
إرسال تعليق