القائمة الرئيسية

الصفحات

هيئة الكتاب تصدر «الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي» ضمن الأعمال الكاملة للدكتور شاكر عبد الحميد


كتب - محمود الهندي 


أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن مشروع إصدار الأعمال الكاملة، كتابًا جديدًا بعنوان «الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي» للدكتور شاكر عبد الحميد، في عمل فكري موسع يستكشف مكانة الخيال في تشكيل الوعي الإنساني عبر العصور، ودوره في بناء الحضارات وتطور المعرفة.


ينطلق الكتاب من فكرة مركزية مؤداها أن الخيال ليس ترفًا ذهنيًا أو نشاطًا هامشيًا، بل هو قوة فاعلة في مختلف مجالات الحياة الإنسانية؛ في الفنون البصرية، والأدب، والعلم، والفلسفة، وحتى في التفاعلات اليومية والصحة والمرض. ويؤكد المؤلف أن العقل لا يمكنه أن يعمل دون خيال، إذ يمارس هذا الأخير دوره في اختراع الأدوات وصياغة الفروض العلمية واقتراح النماذج النظرية، كما يسهم في بناء التصورات الفلسفية والاستعارات والمجازات التي تقوم عليها الأبنية العقلية الكبرى.


ويتتبع الكتاب الجذور التاريخية لمفهوم الخيال، مشيرًا إلى أن أوغسطين كان من أوائل من استخدموا المصطلح اللاتيني “imaginatio” مقابلاً لـ “Phantasia” الإغريقية، بينما تناول مفكرون من العصور المختلفة طبيعة التخيل ووظيفته. 


كما يناقش مواقف الفلاسفة الرواقيين، وفي مقدمتهم أبكتيتوس، الذين رأوا ضرورة إخضاع التخيل لسلطة العقل من أجل تحقيق الحياة الأخلاقية المتوازنة.


ويعرض المؤلف كذلك موقف فلاسفة القرن السابع عشر مثل توماس هوبز ورينيه ديكارت وباروخ سبينوزا، الذين نظروا إلى الخيال بشيء من الحذر، وربطوه أحيانًا بالخداع الإدراكي، لكنهم في الوقت نفسه أقروا بأهميته في التفكير العلمي والرياضي، وفي المقابل، شهدت الحركة الرومانتيكية في القرن الثامن عشر تحولًا جذريًا في النظر إلى الخيال، إذ أصبح يُعد الملكة الأولى في العقل الإنساني ومصدر الإبداع.


ويستشهد الكتاب بأفكار الفيلسوف الأمريكي جون ديوي، الذي رأى أن الخيال يخترق الجمود السلوكي ويكسر أنماط التفكير النمطي، كما يحيل إلى الشاعر الإنجليزي ويليام بليك الذي اعتبر الخيال جوهر الوجود الإنساني ذاته، كذلك يناقش أطروحات الباحثة روث بايرن حول “الخيال العقلاني”، مؤكّدًا أن التفكير الإبداعي والمنطقي يقومان على أسس مشتركة، وأن الإبداع هو في جوهره اقتراح بدائل للواقع القائم.


ولا يغفل الكتاب الجهود العربية في دراسة الخيال، حيث يشير إلى كتاب «دينامية الخيال» للباحث عبد الباسط لكراري، وما قدمه نقاد ومفكرون عرب مثل جابر عصفور ونصر حامد أبو زيد وغيرهما، مع تأكيد أن هذا الحقل المعرفي ما زال بحاجة إلى مزيد من البحث في المشرق والمغرب العربيين.


ويؤكد الدكتور شاكر عبد الحميد في خاتمة عمله أن هذا الكتاب ليس سوى “نظرة طائر” تحاول التقاط بعض تجليات الخيال عبر الفلسفة وعلم النفس والفنون والعلوم، مشددًا على أن الخيال يظل عصيًا على الإحاطة، طائرًا حرًا يرفرف خارج الأقفاص النظرية، ومتجددًا في كل عصر وصورة.


بهذا الإصدار، تواصل الهيئة المصرية العامة للكتاب إحياء التراث الفكري لأحد أبرز المفكرين المصريين المعاصرين، مقدمة للقارئ عملًا يجمع بين العمق الفلسفي والاتساع المعرفي، في قراءة ثرية لمسيرة الخيال من الكهف البدائي إلى عوال

م الواقع الافتراضي.

تعليقات