تفتح الاتهامات الأمريكية للصين بإجراء تجارب نووية سرية فصلا جديدا في صراع النفوذ بين القوتين الأعظم في العالم صراع لم يعد يدار فقط عبر الاقتصاد والتكنولوجيا بل بات يقترب أكثر من قلب معادلة الردع النووي التي حكمت النظام الدولي لعقود.
واشنطن حين تتحدث عن انتهاك اتفاقيات دولية لا توجه رسالة لبكين وحدها بل تخاطب المجتمع الدولي بأكمله محاولة تثبيت صورة الصين كقوة صاعدة لا تلتزم بقواعد اللعبة التقليدية. الحديث عن تطوير صواريخ نووية وأنظمة اختبار متقدمة يعكس قلقا أمريكيا عميقا من تسارع القدرات الصينية وخروجها من إطار الدفاع المحدود إلى فضاء المنافسة الشاملة.
في المقابل تدرك بكين أن ميزان القوة العالمي يشهد تحولا تدريجيا وأن التفوق الأمريكي لم يعد مطلقا كما كان. لذلك فإن تعزيز القدرات النووية من وجهة النظر الصينية قد لا يكون عملا عدائيا بقدر ما هو استثمار استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى ضمان الردع ومنع فرض الإرادة الأمريكية في لحظات الصدام الكبرى.
الخطير في هذا المشهد أن الاتهامات المتبادلة تعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة ولكن بنسخة أكثر تعقيدا. فالعالم اليوم متعدد الأقطاب والتكنولوجيا العسكرية أكثر تطورا والقدرة على احتواء الأزمات أقل مما كانت عليه في السابق. أي انزلاق غير محسوب قد لا يتوقف عند حدود التصريحات أو الضغوط الدبلوماسية.
الولايات المتحدة من جانبها تلوح بخيارات دبلوماسية وعسكرية في آن واحد وهو مزيج يعكس حالة ارتباك استراتيجي أكثر منه ثقة كاملة بالمسار القادم. فالتصعيد العسكري مع الصين ليس خيارا سهلا بينما الاكتفاء بالتحذير قد يفسر في بكين على أنه ضعف أو تردد.
في جوهرها لا تتعلق الأزمة فقط بتجارب نووية محتملة بل بسؤال أكبر حول من يضع قواعد النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. هل تبقى واشنطن الحكم واللاعب في آن واحد أم تنجح الصين في فرض معادلة توازن جديدة تعيد تشكيل مفهوم الردع والاستقرار العالمي.
المؤكد أن هذه الاتهامات لن تكون نهاية القصة بل بدايتها وأن العالم يقف أمام مرحلة أكثر توترا حيث يصبح السلاح النووي مرة أخرى لغة السياسة الصامتة التي يتحدث بها الكبار عندما تعجز الكلمات عن حسم الصراع.

تعليقات
إرسال تعليق