الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في الدراما المصرية، اعتدنا أن تمر علينا عشرات البطولات كل موسم، وجوه كثيرة تبكي وتصرخ وتتألم، لكن قليلًا فقط من هذه الوجوه ينجح في أن يجعلنا نشعر أن الألم حقيقي، وأن ما نراه ليس تمثيلًا بل حياة كاملة تتفكك أمام أعيننا. هناك فرق شاسع بين ممثلة “تؤدي دور أم” وممثلة “تصبح أمًا” بكل ما تحمله الكلمة من خوف وضعف وشراسة وحنان في الوقت نفسه. هذا الفارق تحديدًا هو ما صنعته النجمة ريهام حجاج في مسلسل توابع، حيث قدمت واحدًا من أكثر أدوارها نضجًا وصدقًا، أداء لا يطلب التصفيق لكنه يفرض الاحترام، ويستحق فعلًا أن نرفع له القبعة.
منذ اللحظة الأولى، لا تتعامل ريهام حجاج مع الشخصية باعتبارها بطلة تقليدية تقود الأحداث، بل كإنسانة محاصرة بقدرها. أم تجد نفسها فجأة في مواجهة كابوس لا يتم تحضيره لأي إنسان؛ طفل يعاني من مرض نادر، علاج باهظ الثمن، وقت يركض أسرع من قدرتها على اللحاق به، ومجتمع يراقب من بعيد. هذه ليست حبكة درامية سهلة لاستدرار التعاطف، بل اختبار قاسٍ لأي ممثل، لأن الوقوع في الميلودراما هنا سهل جدًا، لكن الخروج منها بصدق يحتاج إلى حساسية عالية وأدوات مضبوطة.
الذكاء الحقيقي في أداء ريهام حجاج أنها لم تبكِ طوال الوقت، لم تعتمد على الصراخ أو الانهيار المتكرر كوسيلة لإقناع المشاهد بالحزن، بل اختارت الطريق الأصعب: الكتمان. نظرات طويلة صامتة، ابتسامة مكسورة تحاول طمأنة طفلها وهي من الداخل تنهار، يد ترتجف وهي توقّع أوراقًا لا تفهمها جيدًا لكنها مضطرة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت الألم الحقيقي، لأن الوجع الصادق غالبًا لا يكون صاخبًا، بل هادئًا وثقيلًا.
فلسفيًا، يمكن القول إن «توابع» لا يحكي فقط قصة مرض، بل يحكي قصة أمومة في مواجهة نظام قاسٍ. الأم هنا لا تحارب المرض فقط، بل تحارب الفقر، والبيروقراطية، وضيق الفرص، ونظرات الشفقة، وحتى نفسها. وكأن الشخصية تمثل كل أم مصرية أو عربية تجد نفسها فجأة مسؤولة عن معجزة مستحيلة. ريهام حجاج فهمت هذا البعد جيدًا، فحوّلت الدور من حالة فردية إلى رمز إنساني عام. لم تعد مجرد أم لطفل مريض، بل صارت صورة لكل امرأة تقاتل وحدها كي لا يخطف القدر منها أغلى ما تملك.
ومن أجمل ما قدّمته الشخصية هو علاقتها بوسائل التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى. العمل يطرح سؤالًا شديد المعاصرة: هل يمكن للإنفلونسر أو لصانع المحتوى أن يكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان؟ وهنا تبتعد الدراما عن التنظير، وتدخل في الواقع مباشرة. الأم التي ربما كانت تنظر للسوشيال ميديا باعتبارها عالمًا سطحيًا، تجد نفسها مضطرة لطرق هذا الباب طلبًا للمساعدة. هذا التحول يحمل بعدًا نفسيًا مؤلمًا؛ كرامة إنسان تُختبر أمام الحاجة، وخصوصية أسرة تُعرّى أمام الجميع من أجل فرصة حياة.
ريهام جسدت هذا الصراع الداخلي بمهارة لافتة. لم تظهر كضحية مستسلمة، ولا كبطلة خارقة، بل كامرأة عادية تتعلم كل يوم كيف تكون أقوى مما تتخيل. لحظات التردد قبل طلب المساعدة، الخجل المختلط بالإصرار، النظرة التي تقول “أنا مضطرة” دون أن تنطق بها، كل ذلك كشف عن أداء ناضج يفهم أن الكرامة أحيانًا تكون أثقل من الألم نفسه. هنا تحوّل التمثيل إلى قراءة نفسية دقيقة، لا مجرد أداء جمل محفوظة.
وعلى مستوى الحضور، نجحت ريهام حجاج في أن تتخلى عن “صورة النجمة”. لم نشاهد إطلالات لافتة أو مبالغة جمالية، بل وجهًا مرهقًا، ملابس بسيطة، ملامح امرأة لم تنم جيدًا منذ أيام. هذا التنازل الواعي عن البريق لصالح الصدق هو قرار فني شجاع. لأن بعض النجوم يخافون من أن يظهروا ضعفاء أو مرهقين على الشاشة، بينما هي اختارت أن تكون حقيقية حتى لو بدت أقل جمالًا. وفي الفن، الصدق دائمًا أجمل من أي تجمل.
ما يميز التجربة أيضًا أن الشخصية لم تُكتب لتطلب الشفقة، بل لتفرض الاحترام. الأم لا تتسول التعاطف، بل تقاتل. تقع، تنهض، تحاول مرة أخرى. وهذا ما جعل الجمهور لا يشفق عليها فقط، بل يقف معها. والفضل الأكبر في ذلك يعود إلى أداء ريهام الذي حافظ على خيط رفيع جدًا بين الانكسار والقوة، بين الدموع والكبرياء. معادلة صعبة لا ينجح فيها إلا ممثل يمتلك وعيًا حقيقيًا بطبقات الشخصية.
مع تصاعد الأحداث، نشعر أن ريهام حجاج لا تلعب دورًا، بل تستهلك جزءًا من روحها في كل مشهد. هناك صدق نادر يجعل المشاهد ينسى اسم الممثلة ويتذكر فقط الأم. وهذه أعلى درجات النجاح الفني؛ أن تختفي النجمة وتبقى الشخصية. أن لا نقول “ريهام تمثل جيدًا”، بل “هذه الأم موجعة جدًا”.
في النهاية، «توابع» لم يكن مجرد عمل جديد في رصيدها، بل محطة فارقة تثبت أن ريهام حجاج تجاوزت مرحلة الأداء التقليدي إلى مرحلة التمثيل العميق القائم على الفهم والوعي والجرأة. أداء يستحق الاحترام قبل الإعجاب، ويستحق فعلًا أن نرفع له القبعة، لأنه ذكّرنا بأن الفن الحقيقي لا يصنع الضجيج، بل يصنع الأثر. وبين كل مشهد وآخر، كانت تقول لنا بهدوء: الأم حين تحارب من أجل طفلها… لا تخسر أبدًا، حتى لو خسرت العالم كله.

تعليقات
إرسال تعليق