القائمة الرئيسية

الصفحات

حين يسقط الضوء من يد العالم

حين يسقط الضوء من يد العالم


بقلم/نشأت البسيوني 


حين يسقط الضوء من يد العالم ويبدأ الليل في التمدد فوق العقول قبل المدن يدرك الانسان ان الحروب ليست لحظة انفجار عابرة بل ظلاما يتسلل ببطء حتى يبتلع كل شيء الانسان يخسر نفسه قبل ان يخسر بيته ويخسر صوته قبل ان يسمع دوي اول قذيفة ويخسر ملامحه قبل ان ينظر في المراة بعد الفوضى ليجد وجها لا يعرفه

في الحروب يتغير معنى الزمن لم يعد الصباح بداية يوم جديد بل 


بداية محاولة جديدة للنجاة ولم يعد الليل وقتا للراحة بل ساحة للخوف ولم يعد المستقبل فكرة بل غيابا ولم تعد الاماكن ترحب بمن يسكنها بل ترتجف من وقع الخطوات التي لم تعد تعرف هل جاءت بحثا عن ملجا ام عن اثر حياة كانت هنا ولم تعد الحرب تلتهم التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح الناس شعورا بالثبات فنجان القهوة الذي كان بداية يوم يتحول الى حلم بعيد الطريق 


القصير الى العمل يتحول الى مخاطرة عبور نافذة مفتوحة تصبح بابا للخطر والباب الذي يحمي البيت يتحول الى خشب بلا معنى والذكريات التي كانت تضحك تتحول الى سكاكين لا ترحم من يتذكرها لا شيء في الحرب يشبه الحياة القديمة حتى الالوان تفقد معناها الاحمر يصبح دما والاسود يصبح دخانا والابيض يصبح غبارا والازرق يصبح سماء تنتظر سقوط شيء ما فوقها الناس في 


الحروب لا يعيشون بل يمرون بين لحظة واخرى يحاولون ان يبقوا احياء بما يكفي ليصلوا الى اللحظة التالية والاغرب ان الحرب لا تحتاج اسبابا كثيرة يكفي ان يقرر طرف انه اقوى وان يقرر طرف انه لن يتراجع وان يختفي صوت العقل للحظة واحدة ثم يصبح كل شيء جاهزا للانهيار الناس الذين كانوا جيرانا يصبحون اهدافا المدن التي كانت تنمو تصبح حقولا للدم الافكار التي كانت تبني 


تصبح ادوات للهدم في الحرب تصبح الارقام اهم من الاسماء يسقط العشرات فتكتب عنهم الجريدة عددا خلف عد اخر وتتجاهل ان كل رقم كان انسانا له باب وله ظل وله صوت وله حكاية لكن لا احد لديه وقت للحكايات في زمن يحاول فيه الجميع ان يختبئوا من النهاية التي تمر فوق رؤوسهم مثل طائرة لا تعرف التوقف الحرب لا تنتهي عندما تتوقف المدافع الحرب تنتهي عندما يستطيع الانسان 


ان يغلق عينيه دون ان يسمع الصراخ وعندما يمشي في الطريق دون ان يلتفت خلفه وعندما يعود البيت بيتا لا خندقا وعندما يستطيع ان ينام ليلة واحدة دون خوف هذه النهاية قد تأتي بعد سنين وقد لا تأتي ابدا لان بعض الحروب تستقر داخل الانسان ولا تخرج منه حتى لو انتهت في الواقع والسؤال الذي يخيف العالم ليس متى تنتهي الحرب بل هل يتعلم العالم قبل ان تبدأ حرب اخرى 


هل يستطيع الانسان ان يفهم انه ليس مضطرا للقتل كي يشعر بالقوة وليس مضطرا للهدم كي يثبت موقفه وليس مضطرا لان يجعل الارض تبكي كي يربح جملة في خطاب سياسي لا يتذكره احد بعد سنوات العالم يحتاج الى شجاعة اكبر من شجاعة حمل السلاح يحتاج الى شجاعة الاعتراف بان الدم لا يبني وطنا وان الخراب لا يصنع مستقبلا وان القوة الحقيقية هي القدرة على منع 


النار قبل ان تشتعل لا على زيادة اشتعالها العالم يحتاج الى عقلاء لا يفرحون بالرصاصة الاولى بل يخافون منها لانهم يعرفون ان الرصاصة الاولى لا تتوقف عند هدفها بل تمر عبر حياة كاملة لا تعود كما كانت هذا المقال ليس دعوة للمثالية بل محاولة لفهم ما يحدث حين يسقط الضوء من يد العالم حين تتسع دائرة العمى وحين يصبح الظلام هو المرشد وكلما ازداد الظلام ازدادت الحاجة 


الى صوت واحد يقول ان الحرب ليست قدرا وان السلام ليس ضعفا وان الانسان لم يخلق ليموت في صراع لا يفهمه ولا يستفيد منه وان الارض لم تكتب نهايتها بعد وما زال في يد البشر ان يكتبوا صفحة اخرى تختلف عن كل الصفحات التي لطختها الحروب


تعليقات