القائمة الرئيسية

الصفحات

انفراد خاص هل يعتزل إيساف الفن في رمضان؟ فيديو تلاوة يهز القلوب ويُبكي الملايين.. والجمهور يطالبه بمزيد من اللحظات الروحانية




الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 


في زحام موسم رمضاني تتصارع فيه الأغاني والإعلانات والمسلسلات على خطف الانتباه ولو لثوانٍ معدودة، جاء ظهور إيساف مختلفًا تمامًا عن كل ما هو متوقع، لا أغنية جديدة ولا دعاية ولا تصريحات نارية، بل مقطع بسيط هادئ، يكاد يخلو من أي مؤثرات، جلس فيه وحده ممسكًا بالمصحف، يقرأ القرآن بصوت خاشع متهدّج، وكأننا لا نشاهد فنانًا اعتاد المسرح والكاميرات، بل إنسانًا عاديًا عاد إلى لحظة صفاء خالصة بينه وبين ربّه.


المشهد لم يحتج إلى إخراج ولا موسيقى تصويرية ولا حتى إضاءة خاصة، فالقوة كانت في الصدق وحده، وفي تلك الرجفة الواضحة في صوته، وفي الدموع التي حاول أن يخفيها فلم يستطع، وفي الإحساس الذي تسلل إلى المشاهدين دون استئذان، ليحوّل دقائق قليلة إلى حالة عامة من التأثر الجماعي، حالة نادرة في زمن أصبح فيه كل شيء سريعًا ومستهلكًا.


بدأ إيساف يتلو آيات من سورة الضحى: "وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"، ومع كل آية كان صوته يزداد دفئًا وتأثرًا، وكأن الكلمات لا تمر على لسانه فقط، بل تمر على قلبه أولًا، فتخرج محمّلة بكل ما عاشه من تجارب وتعب وذكريات، لذلك شعر الجمهور أن التلاوة ليست أداءً، بل اعترافًا داخليًا، ومناجاة صادقة، ورسالة إنسانية عميقة.


وخلال ساعات، انتشر الفيديو بشكل واسع على مواقع التواصل، وتحوّل إلى حديث الناس في البيوت والهواتف، وتدفقت التعليقات بعفوية شديدة: “بكّيتنا”، “حسّسنا بالراحة”، “أول مرة نشوف فنان بالشكل البسيط ده”، “الصوت ده محتاج نسمعه كل يوم”، بل إن كثيرين اعترفوا أنهم أعادوا تشغيل المقطع أكثر من مرة، ليس لمجرد المشاهدة، ولكن بحثًا عن طمأنينة افتقدوها.


ومن هنا بدأ السؤال الأكبر يتردد بقوة: هل يفكر إيساف في الاعتزال؟ هل هذا الظهور الروحاني رسالة وداع للفن؟ هل يراجع نفسه في هدوء بعيدًا عن الأضواء؟ تساؤلات بدت منطقية للبعض، خاصة أن رمضان دائمًا ما يكون شهر التحولات الكبرى والمراجعات الداخلية، الشهر الذي يعيد فيه الإنسان ترتيب أولوياته ويقترب أكثر من ذاته.


لكن اللافت أن قطاعًا واسعًا من الجمهور رفض فكرة الاعتزال أصلًا، واعتبر أن هذه اللحظات الروحانية لا تعني الابتعاد عن الفن، بل على العكس، تعني فنانًا أكثر نضجًا ووعيًا، فامتلأت التعليقات بطلبات صريحة وواضحة: “عايزين فيديوهات زي دي كل يوم”، “اقرأ لنا قرآن تاني”، “نزّل مقاطع أكتر من غير موسيقى”، “سيبنا نشوفك بالبساطة دي دايمًا”، وكأن الناس لم تكتفِ بالفيديو الأول، بل تعلّقت به لدرجة أنها تطالب بجرعات متكررة من نفس الحالة.


هذه المطالب لم تكن مجاملة، بل تعبيرًا حقيقيًا عن احتياج، فالجمهور الذي اعتاد رؤية الفنانين في أدوار لامعة ومثالية، وجد في هذه اللقطات إنسانًا يشبهه، يتأثر ويبكي ويخشع، إنسانًا بلا حواجز ولا مسافات، لذلك شعروا بقرب شديد منه، وكأن المسافة بين “النجم” و“المتابع” اختفت فجأة.


أما اختيار سورة الضحى تحديدًا، فكان له وقع خاص، فهي سورة المواساة والرحمة والتذكير بالنعم، تبدأ بتطمين القلب وتنتهي بمنهج أخلاقي كامل، تذكّر الإنسان بماضيه الضعيف ثم تطالبه أن يكون رحيمًا بغيره، فلا يقهر يتيمًا ولا يجرح سائلًا ولا يكتم نعمة الله، وهي معانٍ شعر كثيرون أنها تنطبق على حياة أي إنسان بدأ من الصفر ثم فتح الله عليه، فصار مطالبًا بالشكر والعطاء والتواضع.


تفسير الآيات نفسها أضفى بعدًا أعمق على المشهد؛ فـ"ألم يجدك يتيمًا فآوى" تذكير بالرعاية بعد الوحدة، و"ووجدك ضالًا فهدى" أي حائرًا يبحث عن الطريق حتى هداه الله، و"ووجدك عائلًا فأغنى" أي فقيرًا فأغناك من فضله، ثم تأتي الوصايا الاجتماعية الراقية التي تجعل من الإيمان سلوكًا لا كلمات، رحمة بالفعل لا بالشعار، وهي رسالة بدت وكأنها انعكاس مباشر للحالة التي كان يعيشها إيساف أثناء التلاوة.


ورغم حالة الحب الكبيرة، لم يخلُ المشهد من بعض الانتقادات الجانبية حول تفاصيل شكلية انشغل بها البعض، لكنها بدت هامشية أمام الجوهر الحقيقي للحظة، إذ ظل التركيز الأكبر على الإحساس والدموع والخشوع، وهو ما جعل الأغلبية تتجاوز أي جدل وتتمسك بما هو أهم: صدق الإنسان وهو يناجي ربّه.


اليوم، يمكن القول إن إيساف حقق تأثيرًا استثنائيًا من دون أغنية جديدة ولا حفل ولا ضجة إعلامية، فقط بمقطع صادق، أعاد تعريف علاقته بجمهوره، وجعل الناس ترى فيه جانبًا لم يكن ظاهرًا من قبل، جانب الإنسان قبل الفنان، والروح قبل الشهرة.


وسواء كان هذا الظهور بداية مرحلة جديدة في حياته أو مجرد لحظة صفاء عابرة، فإن المؤكد أن الجمهور لم يرد له أن يختفي، بل طالبه بالبقاء أكثر، وبمشاركة المزيد من هذه اللحظات، وكأنهم يقولون له بشكل جماعي: لسنا بحاجة إلى ضجيج… نحن فقط بحاجة إلى هذا الصدق.

تعليقات