القائمة الرئيسية

الصفحات

عودة الإحساس في زمن الضجيج | أحمد بتشان يشعل رمضان 2026 بأغنية "دايمًا مجمعنا".. والجمهور يستقبل عودة الأستاذ بحفاوة المشاعر



الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 


في موسم رمضاني تتكاثر فيه الأصوات وتتسابق فيه الأغنيات على لفت الانتباه خلال ثوانٍ معدودة، عاد صوت واحد فقط ليكسر القاعدة كلها، صوت لا يحتاج صخبًا ولا استعراضًا ولا حملة دعائية ضخمة حتى يفرض حضوره، صوت يكفيه أن يبدأ أول جملة ليدرك المستمع فورًا أنه أمام حالة خاصة، وأن شيئًا دافئًا على وشك أن يحدث، وهنا تحديدًا جاء ظهور أحمد بتشان كالمفاجأة التي لم تكن متوقعة لكنها كانت مطلوبة بشدة، وكأن الجمهور كان ينتظرها من دون أن يدري.


بأغنية "دايمًا مجمعنا"، لم يقدم بتشان مجرد عمل رمضاني عابر يضاف إلى قائمة الأغاني الموسمية التي تُستهلك ثم تُنسى، بل قدّم جرعة مكثفة من الحنين والدفء ولمّة العيلة والمشاعر الصافية التي نفتقدها وسط زحام الحياة، فجاءت الأغنية كرسالة صوتية طويلة تقول ببساطة: ما زلنا بخير طالما ما زلنا مجتمعين، وما زالت القلوب قادرة على الحب.

منذ اللحظة الأولى لطرح الأغنية، بدأت مواقع التواصل الاجتماعي في الاشتعال، لا بسبب تريند مفتعل أو جدل مصطنع، بل بسبب تفاعل حقيقي وصادق، تعليقات مليئة بعبارات مثل "الإحساس رجع"، "صوت الأستاذ وحشنا"، "دي الأغنية اللي كنا مستنيينها من سنين"، وكأن الجمهور لم يكن يتفاعل مع أغنية فقط، بل مع ذكرى قديمة عادت فجأة لتطرق الباب.


واللافت أن لقب "الأستاذ" لم يأتِ من فراغ، بل تصدر المشهد بشكل عفوي بين الجمهور، في إشارة واضحة إلى المكانة التي حجزها بتشان لنفسه على مدار سنوات، فالرجل لم يكن يومًا من مطربي الموجة السريعة أو الأغاني الاستهلاكية، بل ظل دائمًا مرتبطًا بالأعمال التي تعيش طويلًا، تلك التي تسمعها بعد سنوات فتشعر بنفس الإحساس كأنها وُلدت للتو، وهو ما جعل عودته في رمضان تبدو كعودة المعلم إلى فصله، أو عودة الصوت العاقل وسط فوضى الضجيج.


"دايمًا مجمعنا" جاءت ببساطة شديدة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها، تتحدث عن العائلة، عن الصحبة، عن الروابط التي لا تُشترى ولا تُعوّض، عن البيت الذي يلمّ شتاتنا مهما بعُدنا، وهي موضوعات قد تبدو تقليدية على الورق، لكنها حين خرجت بصوت بتشان تحولت إلى مشاهد حية، ترى نفسك فيها، وتتذكر بيتك وأهلك وأصحابك، فتبتسم أحيانًا وتغصّ أحيانًا أخرى.


الأداء الصوتي كان هو البطل الحقيقي، إذ اعتمد بتشان على خامته الدافئة المعتادة، بلا مبالغة أو استعراض، وكأنه يغني من قلبه مباشرة إلى قلب المستمع، لا إلى الميكروفون، وهو ما أعطى الأغنية صدقًا نادرًا، فبدت أقرب إلى حديث شخصي أو دعاء رمضاني منه إلى أغنية تقليدية، حتى أن كثيرين أكدوا أنهم أعادوا سماعها أكثر من مرة فقط ليستمتعوا بهذا الإحساس الهادئ الذي افتقدوه طويلًا.


ومع انتشار الأغنية، تحولت المقاطع القصيرة منها إلى خلفية لمئات الفيديوهات العائلية على السوشيال ميديا، من لقطات الإفطار الجماعي إلى تجمعات الأصدقاء إلى صور قديمة مع الأحباب، وكأن الناس وجدت أخيرًا موسيقى تعبّر عن مشاعرها الحقيقية في الشهر الكريم، فصارت الأغنية جزءًا من يومهم، لا مجرد عمل يسمعونه مرة وينسون.


النقاد بدورهم اعتبروا أن عودة بتشان بهذا الشكل تحمل رسالة مهمة للسوق الغنائي كله، مفادها أن الجمهور ما زال يقدّر الكلمة الصادقة واللحن الهادئ والصوت الحقيقي، وأن النجاح لا يرتبط بالتريند السريع بقدر ما يرتبط بالوجدان، وهو ما أثبته التفاعل الكبير مع الأغنية رغم بساطتها الشديدة وعدم اعتمادها على أي عناصر استعراضية.


ولعل أجمل ما في هذه العودة أنها لم تكن صاخبة، لم يسبقها ضجيج ولا وعود كبيرة، بل جاءت في هدوء يشبه شخصية بتشان نفسها، ثم فجأة وجدنا أنفسنا أمام عمل يتسلل إلى القلوب دون استئذان، وكأنها عودة صديق قديم يطرق الباب في ليلة رمضان، فتفتح له بابتسامة من غير تفكير.


ف، يمكن القول إن أحمد بتشان لم يعد بأغنية فقط، بل عاد بإحساس كامل كاد أن يختفي من المشهد، أعاد للجمهور فكرة أن الأغنية يمكن أن تكون حضنًا، ويمكن أن تكون ذكرى، ويمكن أن تكون لحظة صدق خالصة، وبين عشرات الأعمال التي مرت مرور الكرام هذا الموسم، بقيت "دايمًا مجمعنا" علامة واضحة تقول ببساطة: حين يغني الأستاذ… يصمت الضجيج، ويتكلم القلب.

تعليقات