القائمة الرئيسية

الصفحات

مقابر المسلمين في أوروبا: اختبار صامت لحدود الاندماج وحرية المعتقد

مقابر المسلمين في أوروبا: اختبار صامت لحدود الاندماج وحرية المعتقد

 

هاله المغاورى فيينا

رغم الخطاب الأوروبي المتكرر حول قيم التعددية الثقافية واحترام الخصوصيات الدينية، تكشف قضايا يومية أقل ظهورًا عن فجوة واضحة بين الشعارات والتطبيق. واحدة من أكثر هذه القضايا حساسية تتعلق بحق المسلمين في الدفن وفق شعائرهم الدينية، وهو حق يبدو بديهيًا، لكنه يتحول في بعض الدول الأوروبية إلى معضلة قانونية وإنسانية معقّدة. وتبرز كل من فرنسا وهولندا كنموذجين لجدل محتدم يعكس هذا التناقض بوضوح.

في حالة فرنسا ، تستند السلطات إلى قانون العلمانية الصادر عام 1905، الذي يفرض حياد الفضاءات العامة، بما في ذلك المقابر، ويرفض من حيث المبدأ إنشاء مقابر دينية مستقلة. ورغم السماح بما يُعرف بـ«المربعات الإسلامية» داخل المقابر العامة، تشير تقارير حقوقية إلى أن هذه المساحات باتت غير كافية، خصوصًا في المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية المرتفعة من الجاليات المسلمة.

المعضلة لا تقف عند حدود المساحة فقط، بل تمتد إلى نظام «عقود الانتفاع» المعمول به، حيث تُحدد مدة زمنية للقبور، تُزال بعدها الرفات في حال عدم تجديد الرسوم. هذا الإجراء، وإن كان قانونيًا، يضع حرمة الموتى ومفهوم الدفن الدائم في تصادم مباشر مع التشريعات الوضعية، ويثير تساؤلات أخلاقية حول مدى مراعاة الخصوصيات الدينية في دولة ترفع شعار الحرية.

أما في هولندا، فتأخذ الأزمة بُعدًا مختلفًا، يتمثل في إلزامية دفن الجثمان داخل تابوت خشبي، وفق القوانين الصحية المعمول بها. هذا الشرط يتعارض مع الرغبة الدينية لدى كثير من المسلمين في الدفن بالكفن مباشرة، بما يسمح للجثمان بملامسة التراب.

ورغم سنوات من المطالبات التي تقدمت بها مؤسسات إسلامية ومنظمات مجتمع مدني لإيجاد استثناءات قانونية تعكس التعددية الثقافية، لا تزال الإجراءات البيروقراطية، مدفوعة أحيانًا بضغوط سياسية من تيارات يمينية متشددة، تُعيق تخصيص مقابر بمدد دفن دائمة أو تكييف القوانين بما يراعي الخصوصية الدينية.

أمام انسداد الأفق القانوني في عدد من الدول الأوروبية، تجد مئات العائلات المسلمة نفسها مضطرة سنويًا إلى خيار بالغ القسوة: ترحيل جثامين ذويهم إلى بلدانهم الأصلية. تتم هذه الرحلة الأخيرة عبر إجراءات معقدة وتكاليف مرتفعة، في مشهد يعكس حجم الاغتراب الذي يعيشه المسلم الأوروبي، حتى بعد الموت.

في النهاية، لا تتعلق قضية المقابر الإسلامية فقط بمكان للدفن، بل بمدى اعتراف الدول الأوروبية بحق مواطنيها والمقيمين فيها في ممارسة شعائرهم الدينية كاملة، دون استثناءات مجتزأة. وهي بذلك تشكل اختبارًا حقيقيًا لصدقية خطاب الاندماج، وحدود قبول الآخر، ليس في حياته فقط، بل في مثواه الأخير.

تعليقات