القائمة الرئيسية

الصفحات

تناقض الموقف الأمريكي من إسرائيل في الاستراتيجيات الجديدة


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


يتجه الموقف الأمريكي نحو إسرائيل اليوم على حبل مشدود بين واقعين متناقضين، حيث يتصارع الإرث التاريخي العاطفي والدعم الاستراتيجي التقليدي مع حسابات براغماتية جديدة فرضتها أولويات الاستراتيجية الأمريكية المتغيرة فمن ناحية، تظل إسرائيل "الحليف الاستراتيجي" الأساسي في قلب الشرق الأوسط، شريكاً لا غنى عنه في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية ومواجهة النفوذ الإيراني، ويظل الخطاب الرسمي الأمريكي مؤكداً على "الالتزام الأمني الذي لا يتزعزع". ولكن من ناحية أخرى، تتسلل إلى سياسة واشنطن الفعلية نبرة جديدة من "الواقعية القاسية"، حيث لم تعد العلاقة مجرد شيك مفتوح أو دعم غير مشروط، بل تحولت تدريجياً إلى شراكة تحكمها شروط وتعقيدات جديدة لقد تغيرت الأولويات في واشنطن، فبعدما كانت الأولوية دعم حليف إقليمي مطلق، أصبحت الأولوية هي تقليل التورط في مستنقعات الشرق الأوسط، وتركيز الجهود على المواجهة مع الصين، وحفظ الاستقرار الإقليمي فقط بما لا يتعارض مع هذه الأهداف الكبرى هذا التحول خلق فجوة صامتة ولكنها متسعة بين الخطاب التقليدي والممارسة الجديدة.


يظهر هذا التناقض بوضوح في كيفية تعامل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وخاصة في عهدي ترامب وبايدن، مع الملفات الحارقة مثل المستوطنات وبناء الدولة الفلسطينية فبينما تقدم واشنطن ابتكارات دبلوماسية كبرى مثل "صفقة القرن" أو التطبيع مع بعض الدول العربية، نجدها في الجانب العملي تتراجع عن فرض أي ضغوط حقيقية لإيقاف التوسع الاستيطاني الذي يأكل أي أمل في حل الدولتين بل إن الدعم الأمريكي في المحافل الدولية أصبح أكثر آلية ودفاعاً عن الحق في الوجود، وأقل اهتماماً بالتفاصيل التي تهدد هذا الوجود نفسه على المدى الطويل أصبحت إسرائيل شريكاً يجب احتواه أكثر من كونه مشروعاً يجب دعمه دون قيد أو شرط تريد واشنطن منها أن تكون قوية بما يكفي لردع أعدائها، ولكن ليس قوية أو مغامرة إلى درجة أن تجرها إلى حرب إقليمية واسعة تفسد أولوية "الانصراف إلى آسيا" إنها معادلة صعبة كيفية الحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري النوعي مع تقييد حريتها في العمل العسكري الأحادي الذي قد يخرج الأمور عن السيطرة.


ولكن أخطر مظاهر هذا التناقض يكمن في التحول الديموغرافي والسياسي داخل الولايات المتحدة نفسها فبينما يظل الدعم لإسرائيل في الكونجرس قوياً بسبب تأثير اللوبات التقليدية، نجد تياراً متنامياً، خاصة بين جيل الشباب والتقدميين في الحزب الديمقراطي، ينتقد سياسات إسرائيل بشكل علني ويتعاطف مع الحقوق الفلسطينية، ويرى أن الدعم الأعمى يتعارض مع القيم الأمريكية نفسها هذا الانقسام الداخلي يضعف القدرة على تبني سياسة خارجية واحدة متماسكة وطويلة الأمد، ويجعل أي إدارة أمريكية تتخبط بين ضغط الحلفاء التقليديين ومطالب قاعدتها الشعبية المتغيرة المستقبل قد يحمل مزيداً من هذه الازدواجية دعم عسكري وتكنولوجي لا يتوقف، لكنه مقترن بتفاقم في النقد الدبلوماسي العلني وربما حتى ببعض العقوبات الرمزية، في محاولة لإرضاء الطرفين معاً إنها لعبة خطيرة، حيث تحاول واشنطن الحفاظ على الحليف الاستراتيجي دون أن تدفع ثمن سياساته، وهو ما قد لا يكون مستداماً إلى الأبد فالواقع الجديد يقول إن العلاقة الخاصة لم تعد "خاصة" بالمعنى القديم، بل أصبحت علاقة مصلحة تحكمها معادلة جديدة كم تكلف، وماذا تقدم في المقابل، وأين تقف في الخريطة الأكبر لصراع القوى العظمى إنه تناقض يعكس تحول أمريكا نفسها من شرطي عالمي إلى قوة تحسب خطواتها بحذر، حتى مع أقرب 

حلفائها

تعليقات