القائمة الرئيسية

الصفحات

في حضرةالصيام10 الصدقات التطوعية: رحمةٌ بلا حد وسخاءٌ بلا قيد سلسلة مقالات رمضانية




بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس


استهلال: الصدقة.. لغةُ الحب الإلهي


إذا كانت الزكاة هي القانون الذي يحرس كرامة المجتمع من التردي، 


فإن الصدقات التطوعية هي الحب الذي يمنحه الدفء والنضارة. 


الزكاة حقٌ معلوم، ومقدارٌ مرسوم، وفريضةٌ يضبطها حساب الحول والنصاب، 


أما الصدقة التطوعية فهي نابتة الروح وعنفوان الكرم الذي لا يحده سقف. 


وفي رمضان تشرع السماء أبوابها، فتستجيب القلوب الصائمة لتنفق بسخاءٍ يتجاوز الواجب المكتوب إلى المندوب المحبوب.


إن الصدقة في جوهرها هي البرهان الجليّ على صدق اليقين، فاشتقاق اللفظ من الصدق يشي بأن العطاء هو المرآة التي ينعكس عليها صدق الثقة بما عند الله.


 وهي القوة الروحية التي تعيد صياغة الصيام، فتنقله من مجرد تجربة جوعٍ شخصي معزولة، إلى ملحمة تراحمٍ جماعي شاملة.


فالصدقة هي التي تجعل الصائم يوقن أن صومه لا يكتمل إلا إذا جفف مآقٍ باكية، أو سد خلّة غائرة، أو أطعم نفساً طال سغبها.


أولاً: فيزياء المضاعفة.. حين يتحدى اليقين لغة الأرقام


يقف العقل المادي مبهوتاً أمام رياضيات الملكوت في المنطق الإسلامي. 


ففي دنيا المادة يبدو الإنفاق نقصاً، أما في دنيا الروح فهو نماء وزيادة. 


الصدقة التطوعية ليست اقتطاعاً من الرصيد، بل هي استنبات للمال في أرض الخلود.


تأمل قول الله تعالى:


{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(البقرة: 261)


هذا التصوير القرآني ينزعنا من الحسابات الجافة إلى آفاق النمو الحيّ. 


فالصدقة كائنٌ يتكاثر، وحبة واحدة تُلقى في تربة الإخلاص لا تستنسخ نفسها، بل تتفجر سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة. 


وهذه السبعمائة ضعف ليست نهاية المطاف، بل هي بداية المضاعفة، فالله يضاعف لمن يشاء بغير حصر.


إنها تجارة في سوق الله الذي لا يعرف الكساد، واستثمار عند الواسع الذي لا تغيض خزائنه.


ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله:

«ما نقصت صدقةٌ من مال» (رواه مسلم).


إنه نفيٌ قاطع للنقص الحقيقي، وتأكيدٌ للنماء والبركة. فالصدقة تبارك القليل، وتزكي الكثير، وتطهر النفس من داء الشح الذي أهلك من كان قبلنا.


ثانياً: فلسفة الإخلاف.. والتربية الإلهية للعمل الصغير


لماذا يتوجس الإنسان من العطاء؟ 


إنه وهمُ النفاد. لذلك جاء القرآن ليبدد هذا الوهم بضمانة ربانية قاطعة:


{وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}


(سبأ: 39)


وتأمل كلمة شيء، فهي تستوعب كل بذل مهما صغر. سواء أنفقت مالاً، أو وهبت وقتاً، أو بذلت جاهاً، فإن المخلف هو الله، والإخلاف ليس مجرد رد للمثل، بل هو جبرٌ للقلوب وفتحٌ لأبواب الرزق من حيث لا يحتسب الإنسان.

ويقول النبي ﷺ:


«إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لِصاحبها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ». ( صححه الألبانى)


إنه تشبيه بالغ الرقة، فالفلو هو المهر الصغير الذي يرعاه صاحبه حتى يقوى ويشتد.


 وهكذا يتعهد الله صدقة العبد القليلة بالرعاية والنماء حتى يجدها يوم القيامة جبالاً من الحسنات.


فالصدقة بذور نغرسها في أرض الدنيا، لنستظل بثمارها في هجير الآخرة.


ثالثاً: ديمومة العطاء.. فلسفة الليل والنهار


الصدقة التطوعية في رمضان ليست نوبة كرم عابرة، بل هي هوية حياة. يقول الله تعالى:


{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 274)


إن الجمع بين الليل والنهار، وبين السر والعلانية، يوحي باستغراق الزمن والحالات في عبادة العطاء.


صدقة السر معراجٌ نحو الإخلاص، وترياقٌ من الرياء، وبها تُقضى حوائج الفقراء دون خدش لحيائهم.


صدقة العلانية قدوةٌ حسنة، واستنهاضٌ للهمم، وصناعةٌ للعدوى الإيجابية في مجتمع الخير.


والثمرة النفسية لذلك عظيمة، فالصدقة تطرد خوف المستقبل وتمحو أحزان الماضي، فتورث الصائم طمأنينة لا تزلزلها الأزمات.


رابعاً: هل في المال حقٌّ سوى الزكاة؟


قد يتوهم بعض الناس أن دفع الزكاة يغلق باب المسؤولية المالية، لكن النصوص الشرعية تشير إلى أن في المال حقاً سوى الزكاة، وأن الزكاة تمثل الحد الأدنى الذي لا تبرأ الذمة إلا بأدائه.


فالزكاة قاعدة الانطلاق، لا نهاية السباق. وهي ضريبة التكافل المفروضة، 


أما الصدقة التطوعية فهي ميدان الصديقين.


الصدقة التطوعية هي التي تتفقد الجار الذي يحسبه الجاهل غنياً من التعفف، وهي التي تسند كاهل المريض، وتفتح أبواب العلم للمحرومين.


وفي رمضان ندرك أن ما في أموالنا ليس تفضلاً منا، بل أمانة للسائل والمحروم وضعها الله بين أيدينا.


 والصائم الذي استشعر مرارة الجوع يدرك أن شبع الفقير جزءٌ من تمام صومه.


خامساً: الصدقة ظلٌّ في الهجير وتجليات الجود


في يوم الصائم تتجلى صور الجود في معانٍ شتى، فإطعام الطعام ليس مجرد إشباعٍ لبطن جائع، بل هو تأليف للقلوب وبناء للإنسان. يقول الله تعالى:


{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}


(الإنسان: 8)


وتكمن عبقرية التعبير في قوله على حبه، أي رغم تعلق النفس بالمال وحاجتها إليه، يشرق الإيثار في قلب المؤمن.


وليست الصدقة مالاً فقط، بل تشمل كل صور المعروف:


فبذل الجاه، وطلاقة الوجه، ومواساة المنكسرين، وإدخال السرور على القلوب، كلها روافد تصب في نهر الصدقة العظيم.


الخاتمة:

 العبور من ضيق الأنا إلى سعة النحن


الصدقات التطوعية هي الجسر الذي نعبر عليه من سجن الشح الضيق إلى رحاب الرحمة الواسعة.


 وهي الظل الذي يرجوه المؤمن يوم لا ظل إلا ظل الرحمن.


إنها التجسيد العملي للقيم التي يغرسها رمضان في النفوس، فكل سرور تدخله على قلب محتاج، وكل مسحة حنان على رأس يتيم، هي لبنة في صرح صيامك المقبول.


إن يد العطاء التي تمتد في رمضان هي اليد التي ترفع الأمة من ذل الحاجة. فإذا علّمك الصيام كيف تتوجع، فإن الصدقة تعلمك كيف تداوي.


تأمل اليوم العاشر:


هل ذقت يوماً حلاوة العطاء في الخفاء، حيث لا رائي إلا الله؟


هل شعرت أنك بالصدقة نلت رضوان الله، وأن الفقير هو الذي يفتح لك باب الجنة؟


السؤال:


هل ستجعل من سخاء اليد خلقاً دائماً ينمو معك بعد رمضان، أم أن كرمك مجرد سحابة صيف تتبدد مع رؤية هلال العيد؟

تعليقات