القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: معركة البقاء… إيران تواجه أخطر اختبار داخلي منذ الثورة

  

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: معركة البقاء… إيران تواجه أخطر اختبار داخلي منذ الثورة

لا تمرّ إيران اليوم بحالة توتر عابرة أو موجة احتجاجات تقليدية يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية محدودة، بل تواجه لحظة فارقة تمسّ جوهر استقرارها السياسي والاجتماعي. ما يجري في الداخل الإيراني يعكس تراكمًا طويلًا من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تحوّل معها الغضب الشعبي من حالة صامتة إلى فعلٍ مباشر في الشارع، واضعًا النظام أمام اختبار وجودي حقيقي هو الأخطر منذ قيام الثورة.

الأزمة الاقتصادية تمثل الوقود الأساسي لهذا الغضب. تدهور العملة، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع رقعة الفقر والبطالة، كلها عوامل أرهقت المجتمع الإيراني وأفقدت قطاعات واسعة قدرتها على الاحتمال. لم يعد الخطاب الأيديولوجي أو الشعارات الثورية كافيًا لطمأنة مواطن يواجه صعوبة في تأمين احتياجاته الأساسية، في وقت يرى فيه موارد بلاده تُستنزف في صراعات خارجية لا تعود عليه بأي مردود مباشر.

في المقابل، يبدو النظام الإيراني مدركًا لخطورة اللحظة، لذلك جاء ردّه سريعًا وحاسمًا، عبر تشديد القبضة الأمنية وفرض قيود صارمة على الإنترنت ووسائل الاتصال، في محاولة لقطع التواصل بين المحتجين ومنع تشكّل قيادة موحّدة للحراك. إلا أن هذه الإجراءات، رغم فعاليتها المؤقتة، تعكس في جوهرها حالة قلق عميق داخل دوائر الحكم، أكثر مما تعكس ثقة كاملة في القدرة على السيطرة طويلة الأمد.

المشهد الداخلي يزداد تعقيدًا مع غياب أفق سياسي واضح للاحتواء. فالأزمة لم تعد محصورة في مطالب اقتصادية يمكن الاستجابة لها بحزم دعم أو إجراءات مرحلية، بل امتدت إلى أسئلة تتعلق بشكل الحكم، وعدالة توزيع الثروة، وحدود سلطة الدولة على المجتمع. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن تحوّل المطالب من معيشية إلى سياسية يعني أن أي حل جزئي لن يكون كافيًا لإعادة الاستقرار.

إقليميًا ودوليًا، تتابَع الأحداث في إيران بقلق بالغ. فاهتزاز الداخل الإيراني لا ينعكس فقط على توازنات السلطة داخل البلاد، بل يمتد تأثيره إلى ملفات إقليمية حساسة، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان. لذلك تحاول طهران إظهار تماسكها، والتأكيد على أن ما يجري شأن داخلي يمكن السيطرة عليه، في رسالة موجهة للخارج بقدر ما هي موجهة للداخل.

في المحصلة، تقف إيران اليوم أمام معركة بقاء حقيقية، ليس فقط بقاء نظام سياسي، بل بقاء صيغة حكم كاملة تواجه تحديًا غير مسبوق. قدرة النظام على عبور هذا الاختبار ستتوقف على مدى نجاحه في تحقيق توازن دقيق بين الأمن والإصلاح، وبين فرض السيطرة والاستجابة لمطالب مجتمع لم يعد يقبل بالعودة إلى ما قبل هذه اللحظة. إنها لحظة مفصلية، قد تنتهي بإعادة إنتاج الاستقرار، أو بفتح الباب على تحولات أعمق ستعيد رسم المشهد الإيراني من الداخل.

تعليقات