بقلم/نشأت البسيوني
في أعماق الجبال هناك مكان لا يعرفه أحد إلا الريح والسماء هناك تقف إنسانة تحدت كل شيء حولها لا البشر ولا الطبيعة ولا حتى الزمن نفسه لم يعرف أحد ماذا يعني أن تكون وحدك وسط صمت يمتد لأميال لم يعرف أحد كم مرة شعرت بالقسوة تحت الشمس وكم مرة كادت العواصف أن تبتلعها هي لم تختف اختفت حركتها فقط لكنها كانت حاضرة بروحها وكل خلية في جسدها كانت
تحارب كل شيء حاول أن يضعفها كانت تعرف أن صمت الجبال أعظم من أي كلام وأن الوحدة قد تمنح القوة لمن يعرف كيف يستمع لصوت قلبه كل يوم كانت تصعد صخرة بعد أخرى تتعلم من الأرض كيف تصمد ومن الريح كيف تتحمل ومن الغيوم كيف تحجب ألمها عن كل من حولها لم تكن تبحث عن شهرة أو اعتراف أو تقدير كانت تبحث فقط عن لحظة واحدة يشعر فيها قلبها
بالسلام لحظة واحدة لا يسمعها أحد إلا هي الناس حولها لم يفهموا ما تفعله لم يفهموا صبرها، لم يفهموا صمتها لكنها لم تهتم لم تهتم بالأنين الذي خلفته الخطوات خلفها ولا بالنظرات التي حاولت أن تقيدها كانت تعرف أن كل خطوة فوق صخرة وكل يوم يمر عليها هو انتصار صغير لكن حقيقي حين غابت الشمس ولم يعد أحد يرى ظلها كانت تعلم أن قوتها لم تكن في أن يراها أحد أو يسمع عنها
أحد كانت قوتها في أنها بقيت واقفة في وجه كل شيء واقفة في وجه نفسها واقفة في وجه الزمن والجوع والبرد والعزلة والجروح التي لم ترحمها الحياة كانت تعلم أن الحياة ليست عادلة وأن لا أحد سيساعدها وأن كل ما يحدث هو اختبار صامت لكنها تعلمت كيف تجعل الألم مدرستها وكيف تجعل الوحدة قوتها وكيف تجعل صمتها أعظم من كل الكلمات وفي صمت الجبال بين الصخور
والغيوم بقيت إنسانة قوية صامدة صامتة لا تكسرها الريح ولا تهزمها الشمس ولا تنكسر أمام أي شيء لأنها تعلم أن الحياة كلها مجرد اختبارات وأن الإنسان الحقيقي هو من يصمد
ويقاوم بصمت

تعليقات
إرسال تعليق