الله هو السيّد المطلق للأقدار، ينسج خيوطها في صمتٍ مهيب، كما ينسج الليل عباءته حول الأرض، ويقود الأرواح في مسالكها المجهولة كما يقود الراعي قطيعه نحو المراعي الآمنة. فلا يليق بالقلب أن يجزع أمام تقلبات الأيام، ولا أن يضعف أمام امتحانات الحياة، لأن الكون كله بيد الرحمن الرحيم، الذي كتب الرحمة على نفسه، وجعل العدل أساس ملكوته، وحرم الظلم على ذاته العليّة، ليكون ذلك عهدًا أبديًا يطمئن به المؤمنون، ويستظل به المظلومون، ويستقوي به الضعفاء.
هو سبحانه الذي يملك مفاتيح الغيب، يعلم ما تخفيه الصدور من آلامٍ وأحلام، وما تهمس به الأرواح في ساعات الوحدة والحنين، وما يختبئ خلف الكلمات الصامتة والدموع الخجولة. هو الذي يفتح أبواب الفرج حين تضيق السبل، ويزرع في القلوب بذور الطمأنينة حين يشتد البلاء، ويبدّل الخوف أمنًا، واليأس رجاءً، والدمعة نورًا يضيء الطريق، حتى يصبح الألم جسرًا إلى الحكمة، والانتظار بوابةً إلى الفرح، والابتلاء مدرسةً لصقل النفوس.
فهو بيده ملكوت كل شيء: من حركة النجوم في أفلاكها، إلى نبض القلوب في صدور البشر، من تساقط أوراق الشجر في الخريف، إلى انبثاق الأمل في ربيع جديد، من صمت الجبال الشامخة، إلى همس الرياح في الفيافي البعيدة، من ولادة طفلٍ يملأ الدنيا فرحًا، إلى رحيل إنسانٍ يترك خلفه أثرًا خالدًا. كل شيء يسير بأمره، وكل قدرٍ يخطّه بمداد رحمته، وكل غريبٍ يجد عنده مأوى وسكينة، فهو علام الغريب، العارف بما يثقل الأرواح، وما يرهق المسافرين في دروب الحياة، وما يختبئ خلف ابتساماتٍ صامتة أو أنينٍ مكتوم، وما يضيّع الإنسان حين يظن أنه بلا سند.
فلنرفع رؤوسنا إلى السماء، ولنستودع همومنا عند من لا يخذل، ولنردد دعاءً يفيض باليقين:
يا رب، أنت من يسير الأمور، وأنت من يبدد الأحزان، وأنت من يكتب لنا في كل محنةٍ منحة، وفي كل ظلمةٍ نورًا، وفي كل غربةٍ وطنًا، وفي كل ضعفٍ قوة، وفي كل انكسارٍ جبرًا، وفي كل غيابٍ لقاءً، وفي كل نهايةٍ بدايةً جديدة، وفي كل دعاءٍ استجابةً تليق بكرمك.
هكذا، يصبح الحزن زائرًا عابرًا لا يقيم، والقلق ظلًا يتلاشى مع أول إشراقة يقين، والظلم وهمًا لا يقوى أمام عدل الله الذي لا ينام. وتبقى القلوب مطمئنة، لأنها تعلم أن وراء كل شيء يدًا رحيمة، وأن فوق كل قدرٍ عينًا ساهرة، وأن في كل لحظةٍ صوتًا خفيًا يهمس: "لا تخف، إنني معك، ولن أتركك وحدك."
قلم الأستاذة خديجة آلاء شريف
الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق