القائمة الرئيسية

الصفحات

الفن كمسؤولية: تجربة مالك الدانة مصطفى إسكندراني

الفن كمسؤولية: تجربة مالك الدانة مصطفى إسكندراني




فهد العوذلي


من الموروث الثقافي إلى الغناء المعاصر، قراءة في مشروع فني يجمع بين الالتزام والإبداع



يمثّل الفنان مالك الدنة مصطفى إسكندراني أحد الأصوات الفنية التي استطاعت أن تحجز لنفسها موقعًا مميزًا في المشهد الفني المعاصر، من خلال مشروع إبداعي يقوم على تجاوز السطح البصري أو السمعي، والذهاب عميقًا نحو الفكرة والمعنى. فمنذ بداياته، بدا واضحًا انحيازه إلى فن واعٍ، ينطلق من إحساس عالٍ بالمسؤولية تجاه الإنسان وقضاياه، بعيدًا عن الاستسهال أو إعادة إنتاج المألوف.

وتتسم تجربة إسكندراني بنزعة تأملية واضحة، تتجلى في اختياراته الفنية وفي طبيعة الأعمال التي يقدّمها، حيث يحرص على أن يحمل العمل بعدًا إنسانيًا وثقافيًا، يعكس تفاعله مع محيطه الاجتماعي والفكري. ويرى متابعون أن الفنان لا يتعامل مع الفن بوصفه منتجًا استهلاكيًا، بل كفعل معرفي وجمالي يتطلب الصدق، والبحث الدائم عن قيمة مضافة للمشهد الثقافي العام.

ولا يقتصر اهتمام إسكندراني على الشكل النهائي للعمل، بل يمتد إلى عملية التكوين ذاتها، بما تنطوي عليه من تساؤلات وتجريب ومحاولات مستمرة لإعادة اكتشاف الأدوات والأساليب. وقد أسهم هذا المنهج في بناء لغة فنية مرنة، منفتحة على قراءات متعددة، دون أن تفقد توازنها أو خصوصيتها.

وفي سياق اشتغاله على الغناء بوصفه مساحة للتعبير الثقافي، قدّم إسكندراني تجربة لافتة من خلال إعادة تقديم عمل «قال الفهد يا عين»، من ألحان الموسيقار الراحل طارق عبدالحكيم، وكلمات الشاعر فهد العيسى. ويُحسب له في هذا العمل قدرته على التعامل مع النص واللحن بوعي أدائي يحترم القيمة التاريخية للعمل، وفي الوقت نفسه يقدّم قراءة صوتية معاصرة تحافظ على الروح الأصلية وتمنحها حضورًا جديدًا.

كما يولي الفنان أهمية خاصة لمسألة الموازنة بين احترام الموروث الثقافي والانفتاح على الأساليب الحديثة، وهو ما مكّن أعماله من التواصل مع جمهور متنوّع، دون التفريط في الهوية الفنية أو الوقوع في فخ الاستنساخ.

وفي المحصلة، تشكّل تجربة مالك الدنة مصطفى إسكندراني إضافة نوعية للمشهد الفني والثقافي، وتقدّم نموذجًا للفنان الذي يدرك أن الإبداع الحقيقي لا يُقاس فقط بالانتشار أو الحضور الإعلامي، بل بعمق الأثر، واستمرارية المشروع، والقدرة على ملامسة الوجدان الإنساني بلغة فنية صادقة ومسؤولة.

تعليقات