قراءة في المنهج لا في الخصومة
سلسلة مقالات بقلم الأديب د. كامل عبد القوى النحاس
المقال الأول:
افتتاحية(1)
فصل النص عن التراث البشري
فصل المفاهيم: التمييز بين المصدر والأثر
في زمن يكثر فيه الحديث عن التراث الإسلامي،
بعض المثقفين يخلطون بين النصوص الأصلية المعصومة –
القرآن الكريم والسنة الصحيحة – وما ترتب عليهما من إجماع أو قياس صحيح معتبر،
وبين التراث البشري، أي جهود العلماء والاجتهادات الفكرية عبر القرون.
هذا الخلط يؤدي أحيانًا إلى غلو في تقديس التراث أو رفضه كليًا بحجة التطوير والتجديد،
وكلاهما يبعد عن الفهم الصحيح للدين.
القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله،
قال تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
والسنة حجيتها ثابتة، بقوله تعالى:
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
وفي الحديث الشريف:
تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي
أما التراث فهو كل ما خلّفه العلماء من اجتهادات فقهية، تفسيرية، أخلاقية، وأدبية في سياق ظروفهم التاريخية والاجتماعية.
وهو جهد بشري قابل للنقد، وللتنقيح، وللتجديد، ولا يُقدس بنفس درجة النصوص الأصلية.
لماذا الفصل مهم؟
1. ضبط النقاش:
عندما يعرف القارئ الفرق بين النصوص الأصلية والتراث البشري، يصبح نقد التراث علميًا ومنهجيًا، لا شعوريًا أو عاطفيًا.
2. الحفاظ على القدسية:
النصوص الأصلية لا تخضع للرأي البشري، بينما الاجتهاد البشري يمكن مراجعته وتعديله وفق المستجدات.
3. التمهيد للتجديد:
التجديد لا يكون إلا بفهم التراث في ضوء النصوص الأصلية، وليس العكس.
أمثلة توضيحية
محاولة الاجتهاد في مسائل المواريث القطعية دون دراسة وافية وفهم كامل للحقوق والواجبات، أو اعتبار المساواة بين الرجل والمرأة تطابقًا بدلاً من تكامل، قد تخرج بنتائج خاطئة مصادمة للنصوص، التي لا يجوز الاجتهاد فيها عند وضوحها.
في مسألة عدة المطلقة من ذوات الحيض، اختلف العلماء في معنى "القرء" هل هو الحيض أم الطهر. وكان هذا الاختلاف سائغًا ومعتبرًا، لأن اللغة العربية تحتمل هذا التنوع في التفسير.
الاجتهاد المعاصر
في معاملاتنا الرقمية الحديثة، أو في التعليم عن بعد، يظهر جليًا أن الجمع بين فهم التراث الأصلي ومرونة الواقع الحديث ضرورة لا غنى عنها.
الخلاصة
النصوص الأصلية محفوظة ومعصومة، ولا يجوز الاجتهاد مع النصوص القطعية الواضحة.
أما التراث البشري فهو جهد يُقدّر ويُراجع، ويجب التعامل معه بمنهجية علمية متوازنة، بعيدًا عن الغلو أو التفريط.
التجديد الحقيقي يبدأ بفهم التراث في ضوء النصوص الأصلية، وليس بتجاوزها أو الطعن فيها،
وهو ما يمهد الطريق لفهم بقية السلسلة التي ستتناول: التجديد، الوسطية، النقد البناء، وأمثلة عملية على التراث والنصوص الشرعية.

تعليقات
إرسال تعليق