النفس البشرية ميدانٌ واسع تتصارع فيه القوى المتناقضة، فهي تارةً تنقاد لشهواتها وأهوائها، وتارةً تستجيب لنداء الضمير الذي يوقظها من غفلتها ويذكّرها بأن طريق الهوى مسدود، وأنه لا يقود إلا إلى الظلم والضلال. ولعلّ أخطر ما يواجه الإنسان في رحلته هو تلك النفس الأمّارة بالسوء، التي لا تفتأ تزيّن له المعوجّ وتغريه بالباطل، حتى يظن أن فيه راحته ولذته، بينما هو في الحقيقة انحدار نحو هاويةٍ مظلمة.
لكن في مقابل هذا الصوت المضلّل، ينهض الضمير كقائدٍ داخلي، يبرمج حياة الإنسان ويعيد رسم مسارها وفق ميزان الحق والعدل. الضمير ليس مجرد شعور عابر، بل هو وعيٌ متجذّر يستمد قوته من نور الإيمان، ويستعين بتعاليم ديننا الحنيف الذي أرسى قواعده القرآن الكريم وبيّن تفاصيله النبي ﷺ في سنته الطاهرة. إنه البوصلة التي تضبط الاتجاه حين تتلاطم أمواج الهوى، وهو الحارس الذي يذكّر الإنسان أن الحرية الحقيقية ليست في الانغماس في الشهوات، بل في القدرة على كبحها وتوجيهها نحو الخير.
الإنسان حين يضعف أمام أهوائه، يكتشف أن الضمير لا يتركه وحيداً، بل يظل يهمس في داخله: "هذه نفس أمّارة بالسوء، فاحذر أن تتبعها". ذلك الهمس هو صوت الفطرة، هو بقايا النور الذي أودعه الله في قلب كل إنسان، ليكون شاهداً عليه يوم يلقى ربّه. وما أجمل أن يلتفت المرء إلى هذا الصوت، فيستجيب له، فيرتقي من مرتبة النفس الأمّارة إلى مرتبة النفس اللوّامة، ثم إلى النفس المطمئنة التي قيل لها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
إن الضمير القائد لا يولد صدفة، بل يُصقل بالعلم والعمل، ويُغذّى بالذكر والعبادة، ويُقوّى بالمجاهدة والصبر. فمن جعل القرآن رفيقه، والسنة دليله، وجد في داخله قوةً لا تُقهر، قوةً تضبط هواه وتجعله سيداً على نفسه لا عبداً لها. ومن أهمل هذا الضمير، ترك فراغاً تملؤه النفس الأمّارة بالسوء، فتقوده إلى حيث لا يريد، وتجعله أسيراً لشهواته، يلهث وراء سرابٍ لا ينتهي.
ولذلك، فإن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس في ساحات الدنيا، بل في ساحة نفسه، حين يغلب هواه ويقهر ضعفه، ويثبت أن الضمير حين يستعين بالإيمان يصبح جيشاً لا يُهزم. هو انتصارٌ صامت، لكنه ينعكس في كل تفاصيل الحياة: في الكلمة الصادقة، في الموقف العادل، في القدرة على قول "لا" حين يغريه الباطل، وفي الشجاعة على قول "نعم" حين يدعوه الحق.
النفس الأمّارة بالسوء باقية ما بقي الإنسان، والهوى حاضرٌ في كل لحظة، لكن الضمير القائد هو السلاح الذي وهبه الله لنا لنواجه هذا الصراع. فمن استجاب له، عاش حياةً متوازنة، واضحة الطريق، مطمئنة القلب. ومن أهمله، عاش أسيراً في ظلمات الهوى، لا يرى إلا السراب. وهنا تتجلّى عظمة ديننا الحنيف، إذ جعل الضمير متصلاً بالوحي، وجعل من القرآن والسنة نوراً يهدي الإنسان في معركته الأبدية مع نفسه، حتى يخرج منها منتصراً، راضياً مرضياً.
الأستاذة خديجة آلاء شريف
الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق