القائمة الرئيسية

الصفحات

تأمين الممرات البحرية والدولية في مضيق هرمز وباب المندب

تأمين الممرات البحرية والدولية في مضيق هرمز وباب المندب

بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


تتحرك ناقلات النفط العملاقة وحاملات البضائع عبر مضيق هرمز وباب المندب كشرايين الحياة للاقتصاد العالمي، حاملةً في أحشائها ثروات الطاقة ومكونات التجارة التي تبعث بالحياة في مصانع أوروبا وآسيا وأمريكا لكن هذه الشرايين الحيوية تنتفض اليوم تحت وطأة التهديدات، من هجمات طائرات البرونز المسيرة وحتى القرصنة المسلحة، تحولها من ممرات للملاحة إلى ساحات محتملة للصراع، تهدد بشل حركة قرابة 30% من النفط المنقول بحراً عالمياً هذا المشهد المعقد يفتح جدلاً محتدماً حول السؤال الجوهري من يتحمل المسؤولية الأساسية في تأمين هذه الممرات البحرية الدولية الحيوية؟ هل هي مسؤولية المجتمع الدولي بقيادة القوى الكبرى، أم أنها تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدول الإقليمية المطلة على هذه المضائق، أم أننا أمام نموذج هجين يتطلب تعاوناً غير مسبوق؟

يدافع أنصار "المسؤولية الدولية" عن وجهة نظر تقوم على أن تأمين الممرات البحرية الدولية هو مصلحة ومسؤولية عالمية بحتة فتعطيل إمدادات النفط عبر هرمز لا يضر بإيران أو السعودية أو الإمارات فحسب، بل يهز أسواق الطاقة في بكين ونيودلهي وباريس وواشنطن، ويرفع كلفة التأمين على السفن، ويعطل سلاسل الإمداد العالمية وبالتالي، فإن القوى البحرية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلف الناتو، عليها واجب قيادة عمليات تأمين هذه الممرات، كما فعلت في "عملية المواكب" خلال حرب الناقلات في الثمانينيات، أو كما تفعل حالياً في "القوة المشتركة البحرية" قبالة سواحل اليمن تبدو حجتهم أن الدول الإقليمية قد تفتقر للقدرات اللوجستية والتكنولوجية، أو أن نزاعاتها مع جيرانها قد تحول أمن الممر إلى ورقة ضغط سياسي، كما قد تعتبر أي تحرك عسكري إقليمي كبير تهديداً للتوازنات المحلية الأمن هنا، بحسب هذا الرأي، سلعة عالمية عامة لا يمكن تفويضها.

في المقابل، يرفع دعاة "المسؤولية الإقليمية الأولوية" شعار السيادة والاستقلال. فالدول المطلة على المضيق  مثل إيران وعمان والإمارات والسعودية بالنسبة لهرمز، واليمن وجيبوتي وإريتريا والصومال بالنسبة لباب المندب هي الأكثر تضرراً مباشرةً من أي اختلال أمني، وهي الأكثر فهماً لتعقيدات الجغرافيا السياسية المحلية تفويض المهمة لقوى خارجية، وفق هذا المنظور، يقوض سيادة هذه الدول ويحول مياهها الإقليمية والممرات المجاورة إلى ساحات لتنافس القوى العالمية، كما يخلق تبعية أمنية خطيرة الأفضل هو بناء قدرات إقليمية بحرية مشتركة، تحت مظلة منظمات مثل مجلس التعاون الخليجي أو جامعة الدول العربية، تكون قادرة على فرض الأمن بالتعاون مع الدول المجاورة هذا النموذج يعزز الاستقرار الإقليمي ويمنع تحول الممرات إلى بؤر استقطاب دولي.

لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً من هذا الانقسام النظري، فهو يفرض نموذجاً هجيناً إشكالياً ففي باب المندب، نرى تعاوناً معقداً حيث تقود الولايات المتحدة تحالفاً دولياً، بينما تشارك دول إقليمية مثل السعودية ومصر، وتقوم الصين  حامية مصالحها التجارية بإنشاء قواعد لها في جيبوتي المجاورة أما في مضيق هرمز، فالمشهد متوتر للغاية: إيران، القوة الإقليمية الرئيسية المطلة على المضيق، تهدد بإغلاقه كرد على العقوبات، وتتواجد قواتها البحرية والحرس الثوري بشكل مكثف، بينما تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون بدوريات لحماية الملاحةهنا، غابت الثقة بين القوة الإقليمية الأبرز والمجتمع الدولي، مما يجعل أي نموذج تعاوني صعب المنال التهديدات نفسها تعددت، فلم تعد القرصنة الصومالية التقليدية هي الهاجس الوحيد، بل صارت الهجمات باستخدام الطائرات المسيرة والزوارق السريعة، والاشتباكات بين القوى الإقليمية عبر وسطاء، كلها عوامل تجعل المهمة أقرب إلى إدارة أزمة دائمة منه إلى تأمين روتيني.

الحل الأمثل، رغم صعوبته، يكمن في "تقسيم عمل تعاوني" واضح المعالم يمكن أن تتحمل الدول الإقليمية المسؤولية الأولى في الدوريات القريبة وحماية السواحل والمرافئ، مستفيدة من معرفتها المحلية وشبكات علاقاتها بينما تقدم القوى الدولية ذات القدرات التقنية العالية (مثل أنظمة المراقبة الفضائية، والغواصات، وأنظمة الدفاع ضد الصواريخ) الدعم الاستخباراتي واللوجستي، وتضمن الردع ضد أي عدوان عسكري واسع النطاق قد يهدد حرية الملاحةالأهم من ذلك هو إنشاء "آلية تشاور وتنسيق دائمة" تجمع الدول الإقليمية والقوى الدولية المستخدمة للمضيق، لتبادل المعلومات ومنع سوء الفهم العسكري ويتعين فصل أمن الممرات البحرية عن الخلافات السياسية العالقة، واعتباره مصلحة إنسانية واقتصادية عليا، وهذا يتطلب نضجاً سياسياً نادراً في منطقة تشهد توترات جيوسياسية حادة مستقبل أمن الطاقة والتجارة العالمية معلق على هذه المعادلة الصعبة كيف نبني شراكة أمنية حيث يشعر الجميع بالمسؤولية دون أن يشعر أحد بالتبعية أو التهديد.


تعليقات