ليست حادثةُ الإسراء والمعراج خبرًا يُروى لدهشة السامعين، ولا صفحةً تُطوى في سجلّ السيرة النبوية، بل هي آيةٌ كبرى من آيات القرب، ومقامٌ سامق من مقامات الاصطفاء، ومنحةٌ ربانية انفتحت فيها أبواب الغيب، وتجسّد فيها لطف الله بعبده ونبيّه، في لحظةٍ فاصلةٍ من تاريخ الرسالة والإنسان.
جاءت رحلةُ الإسراء والمعراج في زمنٍ أثقلت فيه الأحزان قلب النبي ﷺ، وتكاثرت عليه جراح الدعوة، وضاقت عليه رحاب الأرض بما رحبت. جاءته بعد عامٍ سُمّي بالحزن، كأنما كانت السماء تُعِدّ له عزاءها، وكأن الوحي يهمس في أذن القلب: إن أُغلقت أبواب الأرض، فإن أبواب السماء لا تُغلق في وجه من حمل أمانة النور، وصبر على أذى الطريق.
"الإسراء… حين يسير الجسد وتسبق الروح"
في الإسراء، أُسري بالنبي ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في رحلةٍ يعجز العقل المادي عن إدراك كنهها، لكنها تستقر في قلب المؤمن سكينةً ويقينًا. لم يكن الإسراء عبورَ مسافةٍ فحسب، بل عبورَ معنى، وربطَ رسالة، ووصلَ تاريخٍ بتاريخ، لتلتقي مواطن الوحي، وتتعانق بركات الأرض في مشهدٍ مهيب.
وفي المسجد الأقصى، وقف محمد ﷺ إمامًا بالأنبياء، فصلّى بهم صلاةَ القيادة والوراثة، صلاةَ من جُمعت له الرسالات، وخُتمت به النبوّات. هناك، تلاشت الفواصل بين الأزمنة، وانصهرت الشرائع في أصلها الواحد: التوحيد الخالص، والهداية للإنسان. هناك، تكرّست قيادةُ النبوة لا بالقهر ولا بالغلبة، بل بالرحمة والنور والبصيرة.
"المعراج… صعودٌ إلى حيث يقف الوصف"
ثم كان المعراج؛ صعودًا لا تحكمه الجهات، ولا تُحدّه المقاييس، ولا تبلغه الأوهام. عروجًا بالروح والجسد إلى السماوات العُلا، حيث كل سماءٍ مقام، وكل مقامٍ تكريم، وكل لقاءٍ إشعارٌ بعظمة المرسَل والمُرسِل.
حتى بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى، حيث تنتهي مدارك العقول، وتتقاصر العبارات، ويقف البيان خاشعًا أمام جلال المشهد. هناك، حيث القرب الذي لا يُوصَف، فُرضت الصلاة؛ لا كعبءٍ ثقيل، بل كهديةٍ سماوية، وصلةٍ موصولة بين الأرض والسماء، ومعراجٍ دائم لأرواح المؤمنين.
لم تُفرض الصلاة بوحيٍ أرضي، ولا برسولٍ وسيط، بل فُرضت في أعلى مقام، وكأنها نداءٌ خالد: من أراد القرب، فليدخل من باب الصلاة؛ خشوعًا، وصدقًا، وحضور قلب.
"بين المحنة والمنحة: دروس لا تغيب"
تحمل معجزةُ الإسراء والمعراج دروسًا لا تنفد معانيها:
أن بعد العسر يسرًا، وبعد الانكسار جبرًا، وبعد الألم عطاءً لا يخطر على البال.
وأن الإيمان ليس خضوعًا لمنطق المادة، بل ثقةٌ مطلقة في قدرة الله التي لا يحدّها زمان ولا مكان.
وأن الصلاة ليست تكليفًا يُثقل الروح، بل رحمةٌ تُخفّف عنها، ونورٌ يُرمّم ما أفسدته الطريق.
الإسراء والمعراج رسالةُ طمأنينة لكل قلبٍ مثقل، وبشارةُ تثبيت لكل صاحب رسالة، وتذكيرٌ بأن طريق السماء قد يمرّ بأودية الألم، لكنه لا ينتهي إلا عند ضياء القرب.
سلامٌ على النبيّ الكريم، في إسرائه ومعراجه،
وسلامٌ على القلوب التي ما زالت تعرج إليه صلاةً بعد صلاة،
تسمو بالإيمان، وتستضيء بنور النبوّة،
حتى تلقى الله وهو عنها راضٍ.

تعليقات
إرسال تعليق