القائمة الرئيسية

الصفحات

أولادنا بين الدراما الكورية والهوية المهددة



كتبت/ نجلاء هاشم 


في زمن يتغير فيه العالم بسرعة مذهلة، أصبح الشباب أمام موجة من التأثيرات الثقافية التي لم نعهدها من قبل. ما كان مجرد هواية أو فضول أصبح ظاهرة يومية، حيث يغرق جيل زد وجيل ألفا في متابعة الدراما الكورية، ويقضون ساعات طويلة في الانغماس بها، مستلهمين عادات وممارسات لا تعكس هويتنا الثقافية أو قيمنا التقليدية. هذا الانغماس يخلق فجوة بين الواقع الذي نعيشه وبين العالم الذي يختاره أبناؤنا لأنفسهم، ويطرح أسئلة جدية عن كيفية تربية جيل قادر على الموازنة بين الأصالة والانفتاح.


الدراما الكورية، بموسيقاها، وأزيائها، وطعامها، ومظاهر حياتها اليومية، لم تعد مجرد محتوى ترفيهي، بل تحولت إلى أسلوب حياة لشريحة كبيرة من الشباب. أصبحوا يتابعون المسلسلات بلا توقف، يشترون الملابس والمنتجات الكورية، ويزورون المطاعم الكورية، متبنين جزئيًا تقاليد لم تنشأ فيها عقولهم، ومهملين تقاليدهم وموروثهم الثقافي.


هذه الظاهرة لم تعد مجرد تفضيلات فردية، بل أصبحت خطرًا على الهوية الثقافية والدينية للشباب، إذ يظهر بعضهم افتخارًا بانتمائهم إلى جيل زد أو ألفا، وكأن ذلك يمنحهم هوية موازية تتجاهل البيئة التي نشأوا فيها.

النتيجة: أولادنا يبتعدون تدريجيًا عن العادات والتقاليد التي تربوا عليها، ويتجهون إلى عالم رقمي متجانس عالميًا، حيث لم يعد للهوية الوطنية أو الدينية الأولوية، مقابل جاذبية ثقافة مستوردة تستهوي الشباب بسهولة.


ورغم أن هذه الظاهرة تعكس تأثر الشباب بالعولمة والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الأمر يدعو الأسر والمجتمع إلى التفكير بشكل جدي في كيفية توجيه أولادنا، وإعادة التواصل معهم حول قيمنا وعاداتنا، دون محاولة فرض القيود، بل من خلال جذبهم إلى تراثنا بأساليب حديثة ومواكبة لعصرهم الرقمي.


جيل زد وجيل ألفا ليسوا أعداءنا، بل نفسهم ضحايا لعالم سريع التغير، حيث تتلاقى الثقافات بشكل يومي على شاشات هواتفهم وتطبيقاتهم. الحل لا يكمن في رفض العالم الخارجي، بل في مواكبة هذا العالم الذكي بالثقافة والمعرفة، لتعليم الشباب أن الهوية لا تُفقد بمتعة خارجية، وأن الأصالة يمكن أن تتعايش مع الحداثة.

علينا أن نرشدهم، لا أن نلاحقهم، وأن نجعل تقاليدنا جزءًا من حياتهم، بدلاً من أن تصبح مجرد ذكرى بعيدة، فالمستقبل يبدأ من فهم حاضر أبنائنا والتواصل معهم بذكاء وحب.

تعليقات