القائمة الرئيسية

الصفحات

«مأساة غياب الأمان: حين تتحول الغفلة إلى فقدٍ لا يُعوّض»

«مأساة غياب الأمان: حين تتحول الغفلة إلى فقدٍ لا يُعوّض»


بقلم: الدكتورة إيمان سماحة 

تتجلى الحياة أحيانًا بوجهها القاسي في لحظاتٍ لا تُنسى، لحظات تُذكّرنا بأن الدنيا ليست جمعًا للمال، ولا سباقًا وراء المصالح العابرة، بل هي مسؤوليةٌ عظيمة، وحذرٌ مستمر، ورعايةٌ للأرواح التي وهبنا الله إياها. 


وما حدث مع الدكتورة ابتسام نصر، التي فقدت أولادها الخمسة نتيجة تسرب الغاز في مدينة بنها، هو صرخةٌ صارخة في وجه الغفلة، ودرسٌ مُوجع في قيمة الحياة، وأهمية اليقظة والوعي.


إن مأساة فقد الأرواح لا تُقاس بالدموع أو الحزن فحسب، بل بالرسائل العميقة التي تتركها في النفوس. فالحياة ليست ما يُجمع من أموال، ولا ما يُحقق من مصالح شخصية، بل هي لحظاتٌ من الانتباه والاهتمام، لحظاتٌ من الرعاية الحقيقية التي تُحفظ بها الأرواح. فالمال، مهما تجمّع، لا يردّ روحًا فُقدت، ولا يعيد قلبًا رحل قبل أوانه، ولا يملأ فراغًا تركته الغفلة أو الإهمال.


هذه الواقعة تضعنا أمام حقيقة لا تُمحى: أن الحبّ والعناية الحقيقية تبدأ بالاهتمام بأدق التفاصيل اليومية، باليقظة لحظة بلحظة، وبمعرفة أن أي غفلة، مهما صغرت، قد تتحول إلى مأساة لا يُردّ لها. فالبيت، في جوهره، هو ملاذ الأمان، وموئل الرحمة، وموضع اليقين، لا مكانًا تُترك فيه الأرواح دون رقابة أو حرص.


ومن هنا، يبرز الدرس العميق لكل والدٍ ووالدة: أن سلامة الأرواح أمانةٌ بين أيديكم، وعهدٌ أمام الله، لا يوازيه جمع مال، ولا تحلّ محلّه أي رفاهية أو انشغال.


 إن التربية الحقيقية تتجلى في مراقبة الأبناء، في حمايتهم، في توفير الأمان الجسدي والنفسي، وفي تهيئة البيئة التي تسمح لهم بالنمو السليم، بعيدًا عن الخوف، والخطر، والغفلة.


إن ما وقع في بنها هو تذكيرٌ صارخ بأن الغفلة قد تكون قاتلة، وأن المسؤولية لا تنحصر في الطاعة للروتين اليومي أو الانشغال بالمصلحة، بل في الانتباه لكل لحظة من لحظات الحياة، وفي إدراك أن كل لحظة يقظة قد تنقذ روحًا وتجنب مأساة. كما أن الحوادث مثل هذه تضعنا أمام التساؤل العميق: هل أصبح جمع المال أولوية تفوق حماية الأرواح؟ هل أصبح الانشغال بالسفر أو بالمصالح أولوية على متابعة الأبناء وحمايتهم؟

وهنا، ينبثق درسٌ أخلاقي ودعوي عميق: الرحمة بالآخرين، والوعي بالمسؤولية، واليقظة في كل لحظة، كلها من مقاصد الشرع التي تهدف إلى حفظ النفس وكرامتها، قبل أي اعتبار آخر. قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾،

فالحرص على النفس وحمايتها، وحفظ الأرواح من الهلاك، واجبٌ شرعي قبل أن يكون واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا.

كما تبرز هذه الحادثة درسًا تربويًا: أن المال، والمصلحة، والراحة العابرة، لا يُعوّض أي غفلة عن حماية من نحب، ولا يمكن أن يحل محل الأمان والحرص والمتابعة. فالحياة مسؤولية، والأمانة ليست مجرد كلمات، بل أفعال تُبذل، وانتباه يُمارس، ورعاية تُستثمر في كل لحظة.


فلنعتبر مأساة الدكتورة ابتسام نصر درسًا خالدًا: درسًا في قيمة الحياة، وضرورة اليقظة، وأهمية الحبّ المترجم إلى أفعال، وضرورة جعل حماية الأرواح فوق كل اعتبار. رحم الله أولادها وجعل مصابهم دافعًا لكل قلبٍ حيّ، ليتذكر أن كل لحظة غفلة عن المسؤولية قد يكون ثمنها أغلى من كل ما تُجمع من كنوز الدنيا، وأن السلامة الحقيقية للأبناء أمانة بين أيدينا، ووصية من الله لن تُغفل.


و لندعوا جميعًا للدكتورة ابتسام، أن يمن الله عليها بالسكينة والطمأنينة، وأن يرفع عنها الحزن، ويعوضها عما فاتها، ويجمعها بأبنائها في جنات النعيم، ويجعل صبرها ميزانًا لحسناتها، وأن يرزقنا جميعًا قدرة على التقدير العميق للحياة، وعناية بما وهبنا الله من أمانات، فالحياة قصيرة، والفرص محدودة، والرحمة مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة.


تعليقات