كتب/ أيمن بحر
يشهد العالم فى هذه اللحظة واحدة من أخطر لحظات التحول فى تاريخه الحديث حيث يبدو النظام الدولى الذى تشكل بعد الحرب العالمية الثانية وكأنه يقف على حافة الانهيار أمام مشهد غير مسبوق تتآكل فيه التحالفات القديمة وتتصادم المصالح بشكل فج وعلني وتتحول فيه أدوات القوة من السياسة والدبلوماسية إلى الاقتصاد والضغط المباشر
المشهد الحالى لا يعكس مجرد خلاف سياسى عابر بل يكشف عن تصدع عميق فى بنية النظام العالمى ذاته إمبراطورية تعيد ترتيب أوراقها بطريقة تهز أسس النظام الذي صنعته بنفسها حلفاء امتد تحالفهم لأكثر من ثمانية عقود يجدون أنفسهم فجأة فى خانة الخصوم وكل ذلك بسبب جزيرة جليدية تحمل اسم جرينلاند لكنها فى الحقيقة تحمل ما هو أبعد من الجغرافيا
جرينلاند التى تبدو للوهلة الأولى أرضا نائية قليلة السكان تحولت إلى مركز صراع دولى ضخم بمساحتها الشاسعة وثرواتها الهائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة وبموقعها الاستراتيجى الذي يمنح من يسيطر عليها نفوذا جيوسياسيا متقدما فى القطب الشمالي لكن القيمة الحقيقية لهذه الجزيرة لا تكمن فقط فى مواردها بل فى الرسالة السياسية التى تحملها للعالم كله وهى أن كسر سيادة الحليف لم يعد خطا أحمر وأن القوة يمكن أن تتقدم على التحالفات والمبادئ
القرار الذي فجّر الأزمة جاء مع سياسات الرئيس الأميركى دونالد ترامب الذي اتجه إلى فرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية مع التلويح بتصعيد اقتصادى أكبر فى حال رفضت الدنمارك بيع جرينلاند وهو ما حول الحليف التاريخى إلى خصم تجارى فى رسالة مباشرة مفادها أن المصالح الأميركية لم تعد مقيدة بقواعد التحالفات التقليدية
أوروبا من جانبها لم تقف موقف المتفرج بل ردت بأقسى أدواتها الاقتصادية فيما يمكن وصفه بالخيار النووي الاقتصادى حيث جرى إعداد حزم عقوبات ضخمة استهدفت قطاعات أميركية حساسة سياسيا واقتصاديا كما لوّحت باستخدام أدوات تشريعية تتيح لها تقييد عمل كبرى الشركات التكنولوجية الأميركية وتجميد الاستثمارات وتعطيل الامتيازات التجارية والمالية وهو تصعيد لم تشهده العلاقات عبر الأطلسي من قبل
وعلى المستوى الشعبي امتدت المواجهة إلى الشارع الأوروبي حيث تحولت الدعوات إلى مقاطعة المنتجات الأميركية إلى سلوك استهلاكي منظم مدعوم بحملات واسعة النطاق وهو ما أضاف بعدا اجتماعيا وسياسيا للأزمة وجعلها أكثر تعقيدا
في موازاة ذلك بدأت خريطة التحالفات العالمية تشهد تحولات جذرية فدول كانت تعد جزءا ثابتا من المعسكر الغربي بدأت تبحث عن بدائل أكثر استقرارا وقابلية للتنبؤ حيث اتجهت كندا إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية مع الصين وفتحت أوروبا أبوابها للاستثمارات الآسيوية بينما أعادت قوى آسيوية كبرى النظر في تموضعها الاستراتيجي في ظل شعور متزايد بعدم اليقين تجاه السياسات الأميركية
هذه التحولات بلغت ذروتها في المواجهات الكلامية التي شهدتها المحافل الدولية حيث برزت تصريحات غير مسبوقة لقادة غربيين تتحدث صراحة عن نهاية النظام الدولي القائم على القواعد وعن الحاجة إلى استقلال استراتيجي بعيد عن الهيمنة الأميركية وهو اعتراف ضمني بأن العالم يدخل مرحلة جديدة بلا ضامن واحد ولا مركز قيادة واضح
الأسواق المالية التقطت بدورها إشارات القلق فشهدت البورصات الأميركية والأوروبية تراجعات حادة وتبخرت مئات المليارات من القيم السوقية في أيام قليلة في مؤشر على هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات السياسية الكبرى
أمام هذا الواقع تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل النظام الدولي أولها سيناريو الانهيار السريع الذي قد يشمل تفكك التحالفات العسكرية الكبرى وتراجع مكانة الدولار وتصاعد الحروب التجارية وثانيها سيناريو التحول التدريجي نحو عالم متعدد الأقطاب تتوزع فيه مراكز القوة وتتشكل تحالفات إقليمية جديدة وثالثها سيناريو حرب باردة جديدة تنقسم فيها الكتل العالمية على أسس اقتصادية واستراتيجية مختلفة مع دخول الولايات المتحدة مرحلة من العزلة النسبية
الخلاصة أن التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره لكنه يكرر أنماطه فالإمبراطوريات لا تسقط فجأة بل تبدأ بالسقوط حين تفقد بوصلتها الأخلاقية وتتعامل مع حلفائها بعقلية السيطرة لا الشراكة وعندما تتحول من صانعة للنظام إلى أول من ينتهكه
الدرس الأوضح في هذا التحول العالمي أن الإمبراطورية حين تبدأ في التهام حلفائها فإنها تكتب بنفسها السطر الأول في قصة نهايتها

تعليقات
إرسال تعليق