بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس
في رحاب "مدينة رعاية الطلاب" بجامعة القاهرة، كانت ليلتنا قد تُوّجت ببركة الصيام والقيام. كنا شبيبةً تتقاذفنا رياح المغريات، فاعتصمنا بإفطارات الاثنين والخميس، نغسل بها أرواحنا من صخب الحياة، ثم نصلي العشاء، ونتبعها بدرسٍ تربويّ نتحرى فيه طاعة الله وحفظ المروءة، ثم نختم بركعتي قيام، فالقيام خيرُ معينٍ على حمل أثقال الحياة.
لم تكن تحركنا أطرٌ تنظيمية، بل أشواقٌ فطرية لجيلٍ أبى أن يذوب في أتون الغواية.
انصرفتُ إلى غرفتي، وألقيتُ بجسدي على السرير لأقدم واجب جامعتي، ولا تتعجب، فسريري كان ولا يزال "صومعتي" الأثيرة للمذاكرة، فلم أكن يوماً من عُبّاد المكاتب. فالسرير عندي هو "المحراب" الذي كنت أفكك فيه أعقد رموز المحاسبة والرياضيات وقتها "نظرياً"،
أروض المسائل بالتفكر لا بالورقة والقلم، ونادراً ما كانت يدي تمتدُّ لآلة حاسبة.
وكنتُ وما زلتُ أقدّس "الكتاب"؛ أمسكه بإجلالٍ صوفيّ، فلا أثني له طرفاً، ولا أخطُّ فيه حرفاً،
حتى إن كتب مكتبتي التي عتّقَتْها السنون، تُخالُ إذا فتحتَها أنها بكرٌ لم تُمس،
فالعلم عندي يُصانُ "حرماً" كما يُحفظُ "معنىً".
بينما أنا في غمرة استغراقي، قطع سكوني طارقٌ مباغت. قلتُ: "تفضل"، فإذا بزميلي "محمود الجزار" إذ يقتحم خلوتي.
لم يكن محمود من أصفياء الخِلطة، بل كان طالباً في كلية الطب البيطري، هادئاً، يتوارى دوماً في زحام الأنشطة،
ولم أكن أنتظر منه نصيحة، فضلاً عن أن يكون ناقداً لغوياً.
لكن "الجزار" في تلك الليلة لم يكن هادئاً.. بل كان "عاصفة"!
اندفع نحوي كالمجذوب، وضع يديه على مَنْكِبَيّ، وهزّني بعنفٍ زلزل كبريائي وهو يصيح بملء فيه:
"اتقِ الله يا كامل.. وأتقن لغتك العربية!".
تسمرتُ في مكاني، فتابع بصوتٍ يقطر وجداً وانفعالاً: "والله إني لأسمعك تتحدث، فأكاد أحمل حذاءك فوق رأسي إجلالاً لبيانك وعذوبة إلقائك، فما إن تقع في (لحنٍ) لغوي، حتى لتراودنى نفسى بضربك به على رأسك!".
نزلت النصيحة عليّ كـ "كيّة" من نار، لم يكن فيها رفق الواعظين، بل كانت "جراحةً" خشنة بمِبضع جزارٍ، لا يرحم اللحن في لغة الضاد.
ولكنني تفهمتُ تلك العاطفة الجياشة، وشكرتُه بامتنان.
كان العجب يملأ نفسي، فرفاقي المتخصصون في "دار العلوم والآداب" لم يجرؤ أحدهم على تقويمي، فجاءني "البيطريُّ" ليهزَّ كبريائي اللغوي بسوط النصيحة.
وأنا أكتب تلك اليومية استحضرتُ ملمحاً من روائع الدراما التاريخية المصرية في مسلسل (شيخ العرب همام)، حين طلب "همام" من أخيه الزاهد "سلام" أن يجلس بجواره في مجلس القضاء وبيده "مقصوصة" (عصا صغيرة)، فإذا رأى من "همام" جوراً أو مجاوزة للحد، نخسه بها سراً ليُعيده إلى عدله واستقامته.
لقد كان "الجزار" في تلك الليلة هو "الشيخ سلام" الذي قُيّد لي، غير أن مقصوصته كانت ذاك "الحذاء" الذي لوّح به في وجه قصوري!
إن الصديق الصدوق ليس من يُغرقك ببحور الانبهار المتملق، بل هو من يسددك ويقومك حين تميل.
إن كل صاحب ولاية، أو رأي، أو قلم، يحتاج إلى "عصا سلام" غير مرئية، تخزه وتنبهه دون أن يشعر الحاضرون،
لتعيده إلى رشده قبل أن يفتنه بريق المديح.
فمن وجد صديقاً يحبه بصدق ويواجهه بجرأة، فقد عثر على كنزٍ، فلا يُفرط فيه.
قلتُ لـ "جزار" والدهشة تخالط عزمي:
"يا جزار، لقد أزف العام على الرحيل.. وافِني العام القادم، وأعدك بما يسرك".
ما إن غادرتُ قاعة الامتحان، حتى جعلتُ إجازتي الصيفية "معسكراً" للغة؛ اعتكفتُ على (النحو الواضح)، ثم ارتقيتُ إلى (قطر الندى)، وختمتُ بـ (النحو المصفى) للدكتور محمد عيد.
كنتُ أروض لساني على الارتجال، وأطبق القواعد عملياً في قراءاتي، حتى أصبحتُ أعتلي المنابر وألقي المحاضرات الطويلة مرتجلاً فصيحاً، لا يشكُّ سامعي أنني نبتُّ في حياض الضاد،
بل وانتهى بي المآل أن عشت فى محرابها أدرس قواعدها وأدابها لسنوات.
اليوم، أتساءل بأسى: كيف يرضى كبارنا وأساتذة جامعاتنا بـ "اللحن" القبيح في لغة القرآن؟
لعلهم لم يرزقوا بـ "جزارٍ" يبكّتُ ضمائرهم بغير حذاء، أو بـ "سلامٍ" ينخس كبرياءهم بمقصوصة الصدق.
غاب محمود الجزار في زحام الحياة، ولم يقابلني بعدها، وكنت أتمنى أن يراني فيسعد بتحقيق رجائه، ويعلم أن نصيحته كانت فى أهلها،
لكني ما زلتُ أدين له بالفضل، وأدعو له بظهر الغيب؛ إذ علّمني أن العاقل هو من يطلب النصيحة ممن يرجو إفادته، لا ممن يرجو تملقه.
فيا محمود الجزار.. سلامٌ عليك ما دمت حياً،
وشكراً لتلك الخشونة التي صقلت بياني.
ورحم الله الفاروق إذ قال: "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي"،
وأظن أن الإعراض عن النصيحة هو نوع من الكبر يجني به المرء على نفسه.
والفطن هو من يؤدِّ النصيحة على خير وجه،
ويقبلها على أي وجه..
وسلامٌ لمن عرف مكان جزار فهداني إليه.

تعليقات
إرسال تعليق