القائمة الرئيسية

الصفحات

حين نغادر ونحن ما زلنا في المكان



بقلم/نشأت البسيوني 


ثمة رحيل لا يرى لا تسمع له خطى

ولا يعلن بصوت مرتفع

رحيل يحدث بصمت عميق

كأن الروح تجمع حقائبها وتمضي

بينما الجسد يبقى متماسكا في المكان

يمارس العادات ذاتها

ويلقي التحية ذاتها

لكنه في الحقيقة رحل منذ زمن

حين نغادر ونحن ما زلنا في المكان

نصبح كالأشباح التي تسكن تفاصيل الحياة دون أن تشاركها

نضحك لأننا اعتدنا الضحك

لا لأن شيئا يضحكنا

نبتسم كي لا يلاحظ أحد الفراغ الذي يسكننا

ونتكلم كي نخفي الصمت الذي يأكلنا من الداخل

نعيش على أطراف الحياة

كأننا نؤدي دورا حفظناه جيدا

لكن القلب يا صديقي لم يعد موجودا في المشهد

ذلك النوع من الرحيل لا يشبه الفقد

بل يشبه التآكل البطيء

حين تدرك أنك لم تعد تنتمي لما حولك

وأن الأماكن التي أحببتها يوما

لم تعد تحتضنك كما كانت

وأن الوجوه التي كانت تملؤك دفئا

صارت عادية

باهتة

كأنها تمر بجانبك دون أن تراك

حين نغادر ونحن ما زلنا في المكان

نصبح غرباء داخل تفاصيلنا

ننظر إلى الأشياء التي كانت تسعدنا

فلا نشعر بشيء

كأن الحنين ذاته تعب

وكأن القلب تبلد من فرط الوجع

ذلك الوجع الصامت هو الأصعب

لأنه لا يعلن نفسه

ولا يجد من يفهمه

ولا حتى نحن نفهمه تماما

نكتفي بالإحساس بأننا لم نعد كما كنا

ربما هي مرحلة ما بعد الانكسار

حين تتعلم أن تبتسم دون سبب

أن تواصل الحياة لأن التوقف لم يعد خيارا

أن تخفي خلف عينيك ألف قصة لم ترو

وتقول أنا بخير بينما العالم ينهار داخلك

ذلك هو الرحيل الحقيقي

أن تبقى في المكان بكل تفاصيلك

لكن قلبك غادر إلى مكان لا يعرف

حين نغادر ونحن ما زلنا في المكان

نتقن الصمت أكثر من أي لغة أخرى

نصبح خبراء في إخفاء الألم

وفي ترتيب وجوهنا كي لا يلاحظ أحد أننا نذوب ببطء

نتعلم كيف نساير الأيام

وكيف نضحك على المقاهي

ونتحدث في أمور لا تعنينا

بينما نحن في الحقيقة نقاوم رغبة عارمة في البكاء

لكن رغم كل ذلك

يأتي يوم تشرق فيه الروح من جديد

تجد سببا صغيرا لتبتسم

نغمة كتاب أو وجه لم تتوقعه

فيذكرك القدر أنك لم تمت بعد

وأن الرحيل لم يكن نهاية

بل استراحة من كل ما أثقلك

وفي تلك اللحظة

تعرف أنك لم تكن راحلا تماما

بل كنت تبحث عن نفسك

عن حقيقتك التي ضاعت بين الضجيج والخذلان

وتدرك أن العودة ليست إلى المكان

بل إلى ذاتك التي فقدتها في منتصف الطريق

تعليقات