By/Dr. Hanan Hassan Mostafa
"… كما ذكرت في البداية، هذه الورقة العلمية ليست سهلة [ورقة وينيكوت: The capacity to be alone]. الصعوبة تنبع أولًا من كون المفارقات لا تُحتمل في الذهن إلا إذا حاولنا حلّها، لكنها لا تتوقف عند هذا الحد. الصعوبة تتعمّق حين يحاول وينيكوت أن يبرّر في الوقت نفسه الفكر الخطي وفكر المفارقات. أجد صعوبة في تصوّر أن «البيئة الداخلية Internal environment» قد تحلّ محل وجود «كيان/موضع الأم الخارجي External object mother» في قدرة الطفل على أن يكون وحيداً. كلما حاولت أن أرسم هذه الصورة في ذهني، أعود إلى ديقرام وينيكوت لعام 1952، حيث يظهر الطفل محاطاً بالأم وبيئتها. لكن بينما أتأمل الديقرام، يدرك عقلي أن هذا التصور مباشر وواضح تماماً، خالٍ من المفارقات التي يحاول وينيكوت إبرازها: الطفل، وفق الديقرام، يبدو مرتبطاً بالأم بشكل مباشر، بينما في الحقيقة فكرة المفارقة تقول إن الطفل يمكن أن يكون وحيداً وفي الوقت نفسه يشعر بوجود الأم داخلياً.
لا أملك جواباً للسؤال الذي يطرحه وينيكوت: هل يحين وقت يصبح فيه الطفل وحده كافياً ليملأ دور كيان الأم الخارجي، في تلك المفارقة التي يكون فيها الطفل وحيداً، وفي الوقت نفسه مع أمه؟ ربما يكمن العائق في طريقة تصورنا للزمن. فحين يقول وينيكوت: "مع مرور الوقت"، يبدو أنه يتحدث عن زمن خطّي، متسلسل، زمنٍ يجري كأنه نهرٌ واضح المسار، كما أسماه أوجدن «الزمن المتسلسل diachronic time»
لكن ما قد نحتاج إليه هو زمن آخر، «زمن متزامن synchronic» حيث كل الوقت يُعاش في اللحظة الحاضرة. الماضي قد مضى، سواء قبل ثوانٍ أو سنين، لكنه لا يختفي: الماضي يعيش في الحاضر، من خلال الآثار التي تتركها التجارب السابقة على الانسان، كما قال إليوت «اللحظة الحاضرة للماضي»، وكما كتب فوكنر: «الماضي ليس ميتاً، بل إنه ليس ماضياً حتى!»
إذا نظرنا إلى الزمن بهذه المنظور المتزامن، يصبح مرور الوقت أقرب إلى شعور اللعب والحلم. لا نسأل الطفل عن طول حلمه، ولا عن كم مضى من ساعة وهو يلعب. من زاوية الزمن المتزامن، لا حاجة للقول إن البيئة الداخلية تحل محل دور كيان الأم الخارجي. بل يمكن فهم تجربة الطفل مع أمه كأثر يترك بصمته فيه، جزءًا من كيانه وما يصبح عليه، دون الحديث عن «موضع/كيان داخلي internal object» لا حاجة لاستدعاء مفهومي العالم الداخلي والخارجي؛ بل يمكننا أن نفكر في التجارب الماضية والحاضرة كجزء من رحلة الطفل، في صلته بمن هو، وبما سيصبح عليه. وهذه الطريقة في التفكير تتناغم أكثر مع مسار تفكير وينيكوت في سنواته الأخيرة."
توماس أوجدن متحدثاً عن ورقة المحلل النفسي دونالد وينيكوت لعام 1958 بعنوان The Capacity to Be Alone (القدرة على أن يكون المرء وحيداً)

تعليقات
إرسال تعليق