القائمة الرئيسية

الصفحات

أصالة، العنب الساقع تريند عالمي وجابر جمال الدين: لما الفن يتهور والذوق يترقص!

الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 

في لحظة ما بين الغفوة والإفاقة، استيقظ الوطن العربي كله على صدمة صوتية جديدة، زلزال غنائي مصحوب بموجات توزيع موسيقي غير تقليدية، أهديت للبشرية من الفنانة أصالة نصري بعنوان "العنب الساقع"، وهي ليست مجرد أغنية، بل تجربة سمعية كاملة، وجبة فنية حارة تُقدم على طبق مثلج بنكهة الجنون الفني والمغامرة الصوتية.

أصالة، صاحبة التاريخ، والصوت الذي يحمل في طبقاته تضاريس سوريا ودفء مصر وهيبة الخليج، قررت بكل شجاعة أن ترمي بكل قواعد الغناء الكلاسيكي وراء ظهرها، وتدخل مغارة التريند، حاملة سيف العنب ودرع الإيقاع الساقع، لتخلق حالة صوتية غير مسبوقة، صدمت الجمهور، وأبهرت البعض، وأربكت الجميع، فصارت الأغنية حديث كل منصة وكل سهرات "الستوري" و"الريلز".

الاسم الذي انطلق كالنيزك وسط هذا العصف هو جابر جمال الدين، أو كما يجب أن نطلق عليه من الآن: مايسترو العنب، ساحر التوزيع، سيد الفواصل الموسيقية التي لا تشبه إلا نفسها، لأنه لم يوزّع أغنية فقط، بل وزّع نكهات، ألوان، لحظات مجنونة، مكسورة الإيقاع ومتصالحة مع العبث، جعلت من كل آلة موسيقية داخل التراك كأنها بطل في فيلم مستقل.

من الكلمات الجريئة لإسلام الجريني، للحن الذي خطه جابر جمال نفسه بجرأة واسترخاء عبقري، إلى التوزيع الذي يخلط الحداثة بالمزاج الشعبي، ثم تأتي ميكس وماستر م/ عمار خاطر كمن يصقل تمثالاً غريب الشكل لكنه يثير الدهشة، كل عنصر في هذه الأغنية لم يكن مجرد دور... بل حالة كاملة. جيتارات مصطفى أصلان تضرب من الخلف كأنها بتقول "اصحى"، والطبلة بيد سعيد الأرتيست تقودك كأنك في موكب عُرس بين النجوم، والناي على يد محمد مصطفى لا يعزف، بل يئنّ، والبيز جيتار لسيكا يدخل من تحت الجلد وكأنه بينادي على الجانب المُظلم من ذوقنا، والقانون لأحمد قمري كأنك تلمح وميض الماضي وسط الجنون الحديث، ثم الكيبورد مع محمود شاهي يربط كل ده ببعضه بسلاسة ساحرة.

ولأن العظمة لا تكتمل بدون هندسة واحتراف، تم التسجيل في أستوديو "سيشن" مع المهندس ماهر صلاح، وتحت إدارة إنتاج ذكية من أشرف سالم، وبإشراف عام من فائق حسن، وبمنتج منفذ هو أنس نصري، في تعاون عائلي وفني محكم، يثبت أن أصالة لا تكتفي بالغناء، بل تدير المشروع من ألفه إلى يائه، وكأنها تخوض حربًا من أجل "الساقع" لكن بسلاح الفن النقي.

ومع انتشار الأغنية، كتب فريق العمل "تعبنا في الأغنية دي جدًا... ونتمنى تحبوها زي ما إحنا ما بنحبها"، وهنا نرفع القبعة، لأن التعب فعلاً ظاهر، والنتيجة لا يمكن تجاهلها، حتى من أكثر المنتقدين، فالأغنية تخرج من المألوف، تسخر من التوقعات، وتصرّ على أن تكون موجودة... سواء أحببتها أم لم تفهمها.

وفي النهاية، "العنب الساقع" ليست مجرد محاولة جديدة من أصالة للتريند، بل ضربة فنية بمطرقة التمرد، تعاون موسيقي غير متوقع، صرخة موسيقية من قلب السوشيال ميديا إلى قلب السوق الغنائي، إعلان واضح أن الفن لا يزال قادرًا على المفاجأة، وأن صوت أصالة، حتى لو وُضع فوق أكواب الثلج، سيظل يغلي بإحساس لا يشبه أحد.

تعليقات