تجلسُ هناك، تحت ظل شجرة قديمة في حديقة منزل العائلة، تتأمل الأفق بعينين مليئتين بالألم والحيرة. كيف يمكن للعالم أن يكون بهذا الاتساع، بينما هي محاصرة في دائرة ضيقة رسمتها لها التقاليد؟ كل ما تريده هو أن تكون هي، أن تتنفس بحرية، أن تطير بأجنحة أحلامها بعيدًا عن قيود الماضي.
تتذكر تلك اللحظات التي جرؤت فيها على الحلم بصوتٍ عالٍ، كيف أُسكتت بسرعة، وكيف بُتِرت أجنحتها قبل أن تتعلم الطيران. "هذا ليس دوركِ"، "مكانكِ هنا"، "المرأة يجب أن تكون..."، كلماتٌ تكررت كثيرًا، حتى باتت تشعر وكأنها جدران سجن يحيط بها من كل جانب. في داخلها، هناك صراعٌ دائم، نيران تتأجج بين ما تتمنى أن تكونه وما يجب أن تكونه في نظر الآخرين.
عندما تنظر في المرآة، ترى امرأةً مختلفة عما يراها الآخرون. ترى في عينيها بريقًا من الشجاعة، رغبةً ملحة في كسر القيود والتحليق بعيدًا عن القفص الذهبي الذي وُضعت فيه. تحلم بالسفر، بالكتابة، بالغناء، بالحرية. لكنها كلما اقتربت خطوة، تجد نفسها مُقيدة بخيوط غير مرئية تربطها بالماضي، بالأهل، بالتقاليد التي تلاحقها أينما ذهبت.
تجلس في تلك المناسبات العائلية، تستمع لأحاديث لا تعنيها، تبتسم مجاملةً وهي تشعر بغصة في حلقها. ترى في أعين النساء الأخريات نفس الصراع، نفس الرغبة المكبوتة في التحرر. تتساءل لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا، لماذا لا تستطيع المرأة أن تعيش لنفسها، أن تختار طريقها دون أن يُحكم عليها، دون أن تُنتقد.
تتذكر حلمها القديم بأن تصبح كاتبة. في كل مرة تضع القلم على الورق، تشعر بنبضات قلبها تتسارع، كأنها تكتب لنفسها حياة جديدة، بعيدة عن القيود. لكن حتى أحلامها أصبحت تخاف من تحقيقها، خوفًا من النظرات المستنكرة، من الهمسات التي تتبعها في كل زاوية.
تحلم باليوم الذي تستطيع فيه أن تعلن عن نفسها بكل شجاعة، دون خوفٍ أو خجل. اليوم الذي تستطيع فيه أن تتبع قلبها وعقلها دون أن تكون ملامة. اليوم الذي تتوقف فيه عن التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بينما بداخلها عاصفة لا تهدأ.
تغمض عينيها وتتخيل نفسها تطير، تترك خلفها كل القيود وكل الأصوات التي حاولت إسكاتها. تتخيل نفسها تكتب قصة جديدة، بطلتها امرأة شجاعة، تحارب من أجل حريتها، تكسر كل التقاليد لتعيش الحياة التي طالما حلمت بها.
تفتح عينيها على واقعٍ لم يتغير بعد، لكنها تعلم أن الحلم هو الخطوة الأولى نحو الحرية. وبين الحلم والواقع، تعيش على أمل أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه أن تكون هي، بكل تفاصيلها، دون خوف أو تردد.
تعليقات
إرسال تعليق