لم يعد من الممكن النظر إلى سياسات دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط باعتبارها مجرد تحركات عابرة تحكمها المصالح الأمريكية التقليدية، بل بات من الضروري طرح تساؤلات أكثر عمقًا حول طبيعة المشروع الذي تسعى واشنطن إلى فرضه على المنطقة، ومدى ارتباطه بتعزيز التفوق الإسرائيلي على حساب الأمن والاستقرار العربي.
ترامب، الذي يتحدث دائمًا بلغة الصفقات والمصالح، يبدو وكأنه يتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ والثروة، دون اكتراث كافٍ بحقوق الشعوب أو بمستقبل الدول التي أنهكتها الحروب والصراعات. فهل المطلوب شرق أوسط قوي قادر على حماية مصالح شعوبه، أم شرق أوسط ممزق، تتراجع فيه القوى الإقليمية، وتنفرد إسرائيل بموقع القوة المهيمنة؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس مجرد حرب هنا أو صراع هناك، وإنما تحول الصراعات المتعددة إلى وسيلة لإضعاف الدول العربية والإقليمية، واستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وإشغالها بأزماتها الداخلية، بما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى وفقًا لمصالح إسرائيل وحلفائها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يريد ترامب شرق أوسط مستقرًا ومتوازنًا، أم منطقة تتآكل فيها الدول الكبرى، وتتحول فيها الدول الصغيرة إلى كيانات عاجزة عن حماية قرارها الوطني أو السيطرة على مواردها؟
إن إسرائيل التي تسعى إلى تثبيت تفوقها العسكري والسياسي في المنطقة، قد تجد في حالة التفكك والصراعات المستمرة فرصة لتعزيز نفوذها، بينما تتحول الثروات العربية، وفي مقدمتها الطاقة والممرات الاستراتيجية، إلى عناصر ضغط ومساومة في معادلات دولية لا تراعي بالضرورة المصالح العربية.
ولعل تصريحات ترامب وسياساته تجاه المنطقة تفتح الباب أمام مخاوف حقيقية من أن تتحول القوة الأمريكية إلى أداة لتكريس واقع إقليمي يمنح إسرائيل مساحة أكبر من الحركة والنفوذ، ويضعف في المقابل قدرة الدول العربية على بناء نظام إقليمي مستقل ومتوازن.
أما الحديث عن رغبة ترامب في العيش داخل إسرائيل مستقبلًا، أو وجود مخطط شخصي لديه لإقامة إسرائيل الكبرى، فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة موثوقة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة. لكن ذلك لا يمنعنا من نقد السياسات الأمريكية والإسرائيلية التي قد تؤدي نتائجها إلى إضعاف المنطقة وتهديد أمنها القومي.
إن الشرق الأوسط ليس ملكًا لترامب، ولا ساحة مفتوحة لتحقيق أحلام نتنياهو، ولا خريطة يمكن إعادة رسمها على حساب الشعوب العربية. فالدول العربية ليست مجرد كيانات صغيرة يسهل إخضاعها، ومواردها ليست غنيمة لمن يمتلك القوة أو النفوذ.
وإذا كان ترامب يعتقد أن القوة الأمريكية وحدها قادرة على فرض واقع جديد على المنطقة، فإن التاريخ يؤكد أن الشعوب لا تقبل إلى الأبد أن تتحول أوطانها إلى أوراق في صفقات الآخرين.
إن الشرق الأوسط لن يكون آمنًا بإسرائيل قوية على حساب جيرانه، ولن تتحقق الاستقرار بتفكيك الدول وإضعاف الشعوب، ولن تكون الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية بديلًا عن العدالة والتوازن واحترام سيادة الدول.
فإما شرق أوسط تحكمه إرادة شعوبه، أو منطقة تظل رهينة صراعات القوى الكبرى ومشروعات الهيمنة.
والسؤال الذي سيظل مطروحًا: هل يسعى ترامب إلى صناعة السلام في الشرق الأوسط، أم إلى إعادة تشكيله بما يجعل إسرائيل القوة الأكثر نفوذًا، ولو كان الثمن أمن المنطقة ومستقبل شعوبها؟

تعليقات
إرسال تعليق