القائمة الرئيسية

الصفحات

القيادة السلوكية واتساقها مع رؤية الدولة المصرية 2030

القيادة السلوكية واتساقها مع رؤية الدولة المصرية 2030


كتبها دكتور الحسيني الطاهر

مدير إدارة التشغيل بمديرية عمل الاقصر

في عالم تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه تعقيدات بيئات العمل، لم تعد القيادة مجرد منصب إداري أو ممارسة للسلطة، كما لم يعد نجاح القائد يقاس فقط بقدرته على إصدار التعليمات ومتابعة تنفيذها. فقد أصبح السلوك القيادي أحد أهم العناصر التي تشكل الحياة اليومية داخل المؤسسة، وتؤثر في مستوى الثقة والانتماء والدافعية والتعاون، ومن ثم في قدرة المنظمة على تحقيق أهدافها والاستمرار في التطور.

فالأنظمة واللوائح والتكنولوجيا والموارد، على أهميتها، لا تعمل بذاتها؛ وإنما تتوقف فاعليتها بدرجة كبيرة على الإنسان الذي يستخدمها، وعلى البيئة التي يعمل داخلها. ومن هنا تبرز القيادة السلوكية باعتبارها مدخلًا ينقل الاهتمام من السؤال: "ماذا يفعل القائد؟" إلى سؤال أعمق:” كيف يتصرف القائد، وما الأثر الذي يتركه سلوكه في الآخرين؟".

القيادة الفاعلة لا تقوم بالضرورة على الاختيار بين الإنسان والمهمة، وإنما في إمكانية الجمع بينهما معًا. وهنا تتجلى القيادة السلوكية في ممارسة حزمٍ يصون الكرامة، ومساءلةٍ تحقق العدالة، وتصحيحٍ يحوّل الخطأ من موضعٍ للإدانة إلى فرصةٍ للتعلّم والتحسين.

لا يتشكل تأثير القائد بأقواله فحسب، بل بما يجسّده من سلوك متكرر؛ فاستقباله للآراء، وتعاطيه مع الأخطاء، وعدالته في توزيع الفرص، واحترامه للعاملين، ووفاؤه بوعوده، وإدارته للخلاف، كلها ممارسات ترسّخ صورة المؤسسة في وعي العاملين. ولهذا فإن الفجوة بين خطاب القائد وممارسته تمثل أحد أخطر مصادر كسب أو فقدان الثقة. المسؤول الذي يتحدث عن المشاركة بينما يحتكر القرار، أو يدعو إلى الابتكار بينما يعاقب من يجرب ويخطئ، فانه يعطي دون ان يشعر رسالة سلبية تترسخ في وعي العاملين.

الافراد يتعلمون من ممارسات القائد أكثر بمراحل من القدر الذي يتعلمونه من توجيهاته، سلوكه تحت الضغط، وعدالته في التعامل، ونسبته للنجاح، وتحمله للمسؤولية. يجعل هناك اتساق ضمني بيت ما يقوله وما يفعله ويرسخ ثقافة مؤسسية مستدامة.

فبيئة العمل الإيجابية تحتاج إلى الأمان النفسي أكثر من الحوافز المادية أو الامتيازات التنظيمية؛ فشعور العامل بأن بإمكانه التعبير عن رأيه وطرح فكرته والإشارة إلى الخطأ دون خوف من تسفيه الرأي أو الانتقام يشعره بالأمان النفسي. 

الأمان النفسي لا يعني غياب المساءلة أو انخفاض معايير الأداء؛ بل يعني أن بيئة العمل تسمح لمن فيها بالاعتراف بالمشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة، وأن يطلب المساعدة، وأن يقدم رأيًا مخالفًا، وأن يتعلم من الخطأ. وبذلك تنتقل المؤسسة من ثقافة إخفاء الأخطاء إلى ثقافة اكتشافها ومعالجتها.

وهنا يظهر الفرق بين القيادة التي تعتمد على الخوف والقيادة التي تبني المسؤولية. فالخوف قد يدفع الإنسان إلى تنفيذ المطلوب في اللحظة الراهنة، لكنه لا يضمن بالضرورة المبادرة أو الإبداع أو التعلم. أما الثقة، حين تقترن بوضوح التوقعات والمساءلة العادلة، فتساعد على بناء التزام داخلي يجعل العامل شريكًا في تحقيق الهدف لا مجرد منفذ للتعليمات.

البيئة الإيجابية ليست مكانًا يخلو من الضغوط أو الخلافات، وإنما بيئة تمتلك القدرة على إدارة هذه الضغوط والخلافات بطريقة تحفظ الاحترام وتدعم التعاون. وهي بيئة يشعر فيها العامل بأن جهده مرئي، وأن صوته مسموع، وأن تقييمه يتم بعدالة، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني فقدان التقدير.

الإنصات قبل الحكم، وتوضيح التوقعات، والاعتراف بالإنجاز، والتعامل العادل مع الجميع، والفصل بين الخطأ وصاحبه، وإعطاء التغذية الراجعة بصورة محترمة، وتحمل القائد لمسؤوليته عندما يكون القرار غير موفق. كلها تدعم قائدا سلوكيا ناجحا.

المعلم، والطبيب، والمهندس، والموظف، والمدير لا يمثلون أنفسهم فقط أثناء أداء أدوارهم، بل يقدمون نموذجًا لما تعنيه المهنة من التزام ومسؤولية واحترام. ومن ثم يمتد أثر السلوك القيادي خارج حدود المؤسسة إلى المجتمع الأوسع. 

فالذي يطلب الانضباط وهو ملتزم به، ويدعو إلى الأمانة وهو يمارسها، ويطالب بالاحترام وهو يحترم العاملين، يخلق حالة من الاتساق الأخلاقي يصعب تحقيقها بمجرد إصدار التعليمات.

وفي التراث الإسلامي يمثل السلوك النبوي نموذجًا بارزًا لفكرة توافق القول والفعل؛ فقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم بقولها: "كان خُلُقُه القرآن"، وهي عبارة تعبّر عن تجسد القيم في السلوك والممارسة، لا بقائها في مستوى الخطاب النظري.

أن التأثير الحقيقي يبدأ عندما يرى الناس القيمة متجسدة أمامهم في سلوك من يقودهم. فالقدوة لا تطلب من الآخرين أن يفعلوا ما لا يفعله القائد، وإنما تجعل السلوك المرغوب قابلًا للملاحظة والتقليد والتعلم.

استدامة المؤسسة لا تقاس فقط بقدرتها على تحقيق نتائج اليوم، وإنما بقدرتها على الحفاظ على قدرتها على التعلم والتكيف وتحقيق النتائج في المستقبل. ولذلك فإن القيادة السلوكية تلعب دورًا مهمًا في بناء الاستدامة؛ لأنها لا تركز على النتائج الآنية وحدها، وإنما تعمل على تشكيل الثقافة التي تنتج النتائج بصورة متكررة.

فإذا كانت المؤسسة تعتمد على قائد واحد لحل المشكلات، فإنها تظل أسيرة لشخصه. أما إذا نجح القائد في بناء ثقافة من المسؤولية والمبادرة والتعاون، فإن أثره يستمر حتى في غيابه. وهذه هي إحدى أهم علامات القيادة الناضجة: أن تترك وراءها نظامًا قادرًا على العمل والتطور، لا فراغًا ينتظر شخصًا جديدًا لملئه.

ومن هنا يمكن النظر إلى القيادة السلوكية باعتبارها استثمارًا في القوة البشرية التي تدعم بناء الثقة، وتشجع التعلم، وتدعم المبادرة، وتحسين العلاقات المهنية، وتربط الأداء بالمسؤولية، وتخلق مناخًا يسمح للأفراد بتقديم أفضل ما لديهم.

تكتسب القيادة السلوكية أهمية أكبر عند ربطها بالسياق الوطني المصري؛ إذ تقوم رؤية مصر 2030 على إطار للتنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتركز على تحسين جودة حياة المواطن، والاستثمار في الإنسان، وبناء القدرات الإبداعية، وتعزيز المعرفة والابتكار، إلى جانب تطوير حكومة مؤسسات الدولة والإصلاح الإداري والشفافية والمتابعة والتقييم.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى القيادة السلوكية باعتبارها أحد المداخل التي تساعد على تحويل الأهداف الاستراتيجية إلى ممارسات يومية داخل المؤسسات. فالرؤية مهما كانت متكاملة تحتاج إلى قيادات قادرة على ترجمة أهدافها إلى سلوك تنظيمي: احترام الوقت، تحمل المسؤولية، التعاون، ترشيد الموارد، تشجيع الابتكار، الإنصات للمواطن، والالتزام بالشفافية والعدالة.

تحديث رؤية مصر 2030 نفسه جرى من خلال عملية تشاركية شملت جهات حكومية وقطاعًا خاصًا ومجتمعًا مدنيًا وخبراء وأكاديميين، وهو ما يعكس أهمية المشاركة وتعدد الأطراف في تحقيق التنمية المستدامة.

وبذلك لا تكون القيادة السلوكية منفصلة عن مسار التنمية، بل تصبح جزءًا من البنية الإنسانية التي تسمح للمؤسسات بتحويل السياسات والاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة.

ربما لا تكمن المشكلة الأساسية في نقص المعرفة بمبادئ القيادة الحديثة، وإنما في الفجوة بين المعرفة والممارسة. فكثير من المؤسسات تعرف أهمية المشاركة والتمكين والاحترام، لكن التحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه المبادئ إلى سلوك ثابت في المواقف اليومية، خاصة في أوقات الضغط والأزمات.

ولهذا فإن تطوير القادة لا ينبغي أن يتوقف عند التدريب النظري أو اكتساب المصطلحات الإدارية، بل ينبغي أن يتضمن مراجعة السلوك الفعلي، وكيف يتخذ القائد قراراته؟ وكيف يستمع؟ وكيف يعالج الخطأ؟ وكيف يتعامل مع النقد؟ وكيف يوزع الفرص؟ وهل يتصرف بالقيم نفسها عندما لا يكون تحت المراقبة؟

القيادة السلوكية في جوهرها عملية مستمرة من الوعي الذاتي والمراجعة والتعلم. وكلما ارتفع وعي القائد بأثر سلوكه، أصبح أكثر قدرة على بناء بيئة لا تعتمد على الخوف والانضباط الخارجي فقط، بل على الثقة والمسؤولية والانتماء.

تعليقات