قراءة في استقلال القرار المصري، والمصير المشترك، ومعادلة الأمن القومي في زمن الصراعات الإقليمية
بقلم:
د كامل النحاس
أولًا: ما الذي قررته مصر، وما الذي لا يزال منتظرًا؟
أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي ملف الأمن العربي إلى واجهة الأحداث، بدعوته مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة للنظر في تفويض يتيح لمصر الاستجابة لأي طلب سعودي للمساندة الدفاعية.
وجاءت الدعوة في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، وسط تأكيد رئاسي أن التحرك المقصود دفاعي، وليس توجهًا إلى الاعتداء أو إشعال الحرب.
لكن القراءة الدقيقة تقتضي التمييز بين دعوة الرئيس، وقرار البرلمان، وأي تحرك عسكري محتمل. فالدعوة لا تعني وحدها صدور التفويض النهائيى.
كما أن التفويض ـ إن صدر ـ لا يعني بالضرورة بدء عملية عسكرية؛ إذ يظل الأمر مرتبطًا بطلب سعودي، وطبيعة المهمة، وتقدير الدولة المصرية لظروفها وأهدافها.
وهذا التمييز ضروري حتى لا نستبق الوقائع، أو نحول خطوة دفاعية محتملة إلى إعلان عن حرب لم تُحسم ملامحها.
ثانيًا: أمن السعودية جزء من حسابات الأمن المصري
العلاقة المصرية السعودية لا تقوم على روابط التاريخ والدين وحدها، بل على مصالح استراتيجية واقتصادية متشابكة.
فاستقرار السعودية والخليج يؤثر في أمن المنطقة، وأسواق الطاقة، والاستثمار، وحركة التجارة والملاحة، وهي ملفات تمس المصالح المصرية مباشرة.
كما أن أمن البحر الأحمر لا ينفصل عن أمن مصر؛ فاضطراب الملاحة فيه قد ينعكس على قناة السويس، أحد الموارد المهمة للاقتصاد الوطني. وقد تراجعت إيرادات القناة في عام 2024 بنسبة 61%، من 10.25 مليار دولار في 2023 إلى نحو 3.991 مليار دولار، وفق بيانات رسمية مصرية، في ظل اضطرابات الملاحة الإقليمية. وهذه أرقام تخص عام 2024،
وليست وصفًا تلقائيًا لمستوى الإيرادات الحالي.
ومن هنا، فإن مساندة السعودية عند تعرضها لتهديد حقيقي لا تُفهم باعتبارها مجاملة سياسية، بل يمكن أن تكون دفاعًا عن مصالح مشتركة تتجاوز حدود البلدين.
وأرجّح شخصيًا أن يحظى التفويض البرلماني بالموافقة إذا اقتضت الظروف ذلك، انطلاقًا من المصالح المشتركة ووحدة المصير. غير أن هذا توقع شخصي، وليس تقريرًا لنتيجة تصويت لم أتحقق من صدورها رسميًا.
ثالثًا: مساندة الأشقاء لا تعني الارتهان
المعادلة التي تحتاج مصر إلى الحفاظ عليها هي أن تساند أمن السعودية دون أن تتنازل عن استقلال قرارها، أو تدخل في مواجهة مفتوحة لمجرد أن الظروف دفعتها إلى خطوة أولى.
فالتضامن لا يلغي حق الدولة في تقدير حدود مشاركتها، ولا يعفيها من حساب الكلفة والنتائج.
وكلما كان الهدف محددًا، والمهمة واضحة، والقرار مستندًا إلى تقدير واقعي للمخاطر، زادت فرص تحقيق الغاية الدفاعية دون التورط في مسارات غير محسوبة.
وهنا تظهر أهمية الدور المصري بوصفه «رمانة ميزان» إقليمية؛ فمصر تملك أدوات القوة، ولديها في الوقت نفسه مصلحة في إبقاء قنوات التواصل مع أطراف متعددة مفتوحة، بما يساعد على احتواء الأزمات والبحث عن تسويات سياسية.
ولا يعني ذلك الوقوف على مسافة واحدة من المعتدي ومن يتعرض للتهديد، أو مساواة الدفاع بالاعتداء؛ بل يعني مساندة حق الدفاع مع الاحتفاظ بالقدرة على التحرك الدبلوماسي ومنع اتساع المواجهة.
رابعًا: الردع وسيلة لحماية السلام لا لإغلاق أبوابه
قد يؤدي إظهار الاستعداد للدفاع إلى منع الاعتداء، حين يدرك الطرف المهدِّد أن التصعيد ستكون له كلفة.
ومن هذه الزاوية، لا يتعارض الردع بالضرورة مع السلام، بل قد يهيئ ظروفًا أكثر توازنًا للتفاوض.
لكن الردع لا ينجح بمجرد إعلان القوة؛ بل يحتاج إلى وضوح الهدف، وتناسب الوسيلة مع التهديد، وتقدير ردود الفعل المحتملة.
فالقوة التي لا تضبطها رؤية سياسية قد توسع الصراع بدلًا من احتوائه.
لذلك، فإن أي مساندة عسكرية محتملة ينبغي أن تقترن بمسار سياسي يهدف إلى حماية السعودية، وصون المصالح المصرية، ومنع تحول المهمة الدفاعية المحددة إلى حرب طويلة تتعدد أطرافها وأهدافها.
القوة ليست بديلًا عن الدبلوماسية؛ وقد تكون وسيلة لحماية فرصها، إذا بقي استخدامها محكومًا بالغاية والضرورة.
خامسًا: القرار المسؤول يوازن بين الواجب والمخاطر
لا يخلو أي تدخل عسكري من مخاطر، حتى عندما يكون دفاعيًا. فقد تتسع المواجهة، أو تتغير حساباتها، أو تتعرض المصالح الاقتصادية والملاحة لمزيد من الاضطراب.
ولذلك لا ينبغي التعامل مع أي تفويض محتمل باعتباره التزامًا مفتوحًا، بل قرارًا تحكمه طبيعة المهمة وحدودها والنتائج المتوقعة منها.
ومن حق الرأي العام أن يفهم، في الحدود التي لا تضر بالأمن القومي، أهداف المشاركة المحتملة وإطارها، وأن يميز بين تقديم مساندة دفاعية محددة وبين الانخراط في حرب ممتدة.
وفي هذا السياق، يكفي التذكير بأن مصر لم تنضم حتى الآن إلى «اتفاق مكة» للدفاع المشترك، وأن وزير الخارجية المصري أشار إلى ضرورة دراسة الجوانب القانونية والدستورية والفنية قبل اتخاذ قرار بشأن الانضمام. ولا يعني ذلك رفض الاتفاق نهائيًا، كما لا يصح افتراض أن الموقف سيتغير تلقائيًا بفعل التطورات الحالية؛ فذلك يظل أمرًا يحتاج إلى قرار رسمي
خاتمة:
قوة تحمي ولا تستسلم للتصعيد
تقف مصر أمام معادلة دقيقة: مساندة السعودية إذا تعرض أمنها للتهديد وطلبت الدعم، مع الحفاظ على استقلال القرار المصري، وتقدير كلفة أي مشاركة، والإبقاء على أبواب الوساطة والتسوية مفتوحة.
وأرى أن تأييد المساندة الدفاعية، إذا توافرت شروطها، لا يتعارض مع الدعوة إلى ضبط استخدام القوة؛ فالتضامن لا يلغي الحكمة، والردع لا يبرر الحرب المفتوحة، واستقلال القرار لا يعني التخلي عن الأشقاء.
فليست قوة مصر في أن تدخل كل حرب، ولا في أن تنأى بنفسها عن كل مواجهة؛ بل في أن تعرف متى يكون الردع ضرورة، ومتى يكون الحوار فرصة، وكيف تحمي أشقاءها دون أن تفقد استقلال قرارها، و
تستخدم قوتها لفتح الطريق أمام سلام يحفظ أمن المنطقة وكرامة شعوبها.

تعليقات
إرسال تعليق