بقلم: د/ وفاء بدر
الأمين العام المساعد بحزب المؤتمر – محافظة الإسكندرية
رئيس مجلس أمناء مؤسسة معًا نبني حياة للتنمية
هناك أحداث تمر في التاريخ فتُسجَّل في الكتب، وهناك أحداث أكبر من أن تكون مجرد صفحات في كتاب؛ لأنها تتحول إلى جزء من شخصية وطن. وحرب أكتوبر واحدة من تلك اللحظات التي لم تغيّر نتيجة معركة فقط، بل غيّرت نظرة شعب كامل إلى نفسه وإلى قدرته على صناعة المستحيل.
في السادس من أكتوبر، لم تكن مصر تخوض معركة عسكرية من أجل استرداد أرض فحسب، وإنما كانت تخوض معركة من أجل استرداد الثقة.
الثقة التي حاولت الهزيمة أن تنتزعها من الإنسان المصري، فجاء العبور ليقول إن الهزيمة ليست قدرًا، وإن الجيوش لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما تنتصر أولًا بالإرادة، وبالتخطيط، وبالإيمان بأن المستحيل ليس أكثر من واقع ينتظر من يواجهه.
ولعل أجمل ما في حكاية أكتوبر أنها لم تكن حكاية جنود فقط.
كانت وراء كل جندي أسرة تنتظر، وأم تدعو، وأب يخبئ خوفه، وطفل لم يكن يعرف لماذا غاب والده، وشعب كامل كان يؤمن أن وراء الحدود أرضًا مصرية يجب أن تعود.
ولهذا فإن أكتوبر ليس ذكرى عسكرية نحتفل بها كل عام، بل مدرسة وطنية يمكن أن نتعلم منها حتى اليوم.
من خندق الحرب إلى خندق المستقبل
إذا كان جيل أكتوبر قد حمل السلاح ليعبر إلى الضفة الأخرى، فإن شباب مصر اليوم يحمل أدوات مختلفة للعبور.
شاب يجلس أمام جهازه ويصنع برنامجًا يمكن أن يصل إلى العالم كله.
فتاة تبدأ مشروعًا صغيرًا وتحوله مع الوقت إلى مصدر رزق لعشرات الأسر.
طالب يدرس ويبحث ويبتكر، لأنه يعرف أن معركة المستقبل لن تُحسم بعدد الدبابات، وإنما بعدد العقول القادرة على صناعة الحلول.
وهنا أعتقد أن أهم رسالة يمكن أن نتركها لشبابنا في ذكرى أكتوبر هي:
أنتم أيضًا لديكم معركتكم.
معركتكم ليست مع عدو يقف خلف حدود الوطن، وإنما مع اليأس، واللامبالاة، والاستسلام لفكرة أن الفرصة لا تأتي إلا للآخرين.
معركتكم أن تتعلموا أكثر، وتعملوا أكثر، وتبتكروا أكثر، وأن تعرفوا أن بناء الوطن لا يبدأ دائمًا من موقع كبير أو منصب كبير.
أحيانًا يبدأ من شاب قرر ألا يستسلم.
ومن فتاة قررت أن تتعلم مهارة جديدة.
ومن طالب رفض أن يكون مجرد متلقٍ للمعرفة وقرر أن يصبح صانعًا لها.
أكتوبر لم يكن معجزة.. كان إعدادًا
وربما واحدة من أكثر الرسائل التي نحتاج إلى استعادتها اليوم من روح أكتوبر أن الانتصار لم يبدأ يوم السادس من أكتوبر.
العبور الذي رأيناه في ساعات قليلة كان نتيجة سنوات من الإعداد والتدريب والتخطيط والصبر.
وهذه نقطة شديدة الأهمية لشبابنا؛ لأن عصر السرعة جعل البعض يعتقد أن النجاح يجب أن يحدث بسرعة أيضًا.
يرى الإنسان النتيجة على شاشة هاتفه، لكنه لا يرى السنوات التي سبقتها.
يرى المشروع الناجح، ولا يرى ليالي الفشل.
يرى الشخص الذي وصل، ولا يرى عدد المرات التي سقط فيها قبل أن يصل.
وهنا يأتي درس أكتوبر:
لا تنتظر لحظة الانتصار إذا لم تكن مستعدًا لها.
فالفرصة حين تأتي لا تصنع الإنسان، وإنما تكشف مقدار استعداده.
من “اعبر” إلى “ابنِ”
ربما كان العبور العسكري هو أعظم صورة لمعنى الإرادة المصرية في أكتوبر، لكنني أرى أن التحدي الحقيقي أمامنا اليوم هو أن نحول كلمة “اعبر” إلى كلمة أخرى لا تقل أهمية:
“ابنِ”.
ابنِ نفسك.
ابنِ علمك.
فمصر التي عبر أبناؤها قناة السويس منذ أكثر من نصف قرن قادرة على عبور تحديات جديدة، بشرط أن نؤمن أن لكل جيل معركته، وأن لكل جيل مسؤوليته.
رسالة إلى شباب مصر
يا شباب مصر..
لا تجعلوا أكتوبر مجرد صورة لطائرة تعبر السماء
انظروا إلى الإنسان الذي صدّق أنه يستطيع.
إلى الجندي الذي دخل المعركة وهو يعرف أن الخوف طبيعي، لكنه اختار ألا يسمح للخوف بأن يقرر مكانه.
وهذه هي البطولة الحقيقية.
أن تشعر بالخوف وتتحرك.
أن تواجه الصعوبة وتستمر.
أن ترى الطريق مغلقًا فتبحث عن طريق آخر.
أن تقع ثم تقف.
وأن تؤمن أن المستقبل لا يُمنح لمن ينتظره، وإنما يُصنع بأيدي من يعملون من أجله.
إن حكاية أكتوبر ليست حكاية الماضي فقط؛ إنها دعوة مفتوحة لكل شاب وفتاة في مصر أن يكونوا جزءًا من الحكاية القادمة.
فإذا كان جيل أكتوبر قد ترك لنا وطنًا استعاد كرامته، فعلينا أن نترك للأجيال القادمة وطنًا أكثر علمًا، وأ
كثر وعيًا، وأكثر قدرة على المنافسة والبناء.
النصر الحقيقي هو أن نعرف كيف نبني بعد أن نعبر. 🇪🇬

تعليقات
إرسال تعليق