هنا نابل بقلم المعز غَنِـي
إمرأتان من المدينة العتيقة في إنتظار الحافلة نحو تونس العاصمة… صورةٌ تختصر زمناً بأكمله
هناك صورٌ قديمة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن تفاصيلها وحدها قادرة على أن تروي حكاية وطن، وأن تفتح في الذاكرة أبواباً ظننا أنها أُغلقت إلى الأبد…
صورة لامرأتين من المدينة العتيقة، تقفان في إنتظار الحافلة المتجهة إلى تونس العاصمة، في زمن كانت فيه محطات النقل أماكن بسيطة، وكانت الرحلة من نابل إلى تونس تحمل في تفاصيلها شيئاً من المغامرة، وشيئاً من الإنتظار، وكثيراً من الذكريات.
إمرأتان ترتديان السفساري التونسي الأصيل…
ذلك اللباس الأبيض الذي لم يكن مجرد قطعة قماش تُلفّ حول الجسد، بل كان عنواناً من عناوين الهوية، ورمزاً من رموز الحشمة والوقار، وقطعة من ذاكرة المرأة التونسية التي عاشت زمناً كانت فيه البساطة أناقة، والستر جمالاً، والوقار هيبة.
يا حسرة على أيام زمان…!
كان السفساري حاضراً في الشوارع والأزقة والأسواق والمناسبات، ترافقه خطوات نساء تونسيات خرجن من بيوتهن لقضاء شؤونهن، أو لزيارة الأقارب، أو للسفر، أو للتبضع، دون أن يشعرن أنهن بحاجة إلى الكثير من الزينة حتى يكنّ جميلات.
كان الأبيض سيد المشهد…
وكانت المرأة تختبئ خلفه، لا خوفاً من الحياة، وإنما حفاظاً على خصوصيتها، وكأن السفساري كان يقول لكل من يمرّ بها:
هنا إمرأة تونسية… وهنا حكاية من حكايات هذا الوطن.
في المدينة العتيقة، حيث الأبواب العتيقة والنوافذ الخشبية والممرات الضيقة وروائح العطور والتوابل والقهوة، كان للسفساري حضور خاص.
نساء يمشين في هدوء، يحملن قفّة أو حقيبة صغيرة، يذهبن إلى السوق أو إلى محطة الحافلة، وقد غطّى السفساري أجسادهن بطريقة جعلت من البساطة عنواناً للجمال.
ولم تكن قيمة السفساري في ثمنه، ولا في العلامة التي صنعته، ولا في المصمم الذي يقف وراءه.
قيمته كانت في المعنى.
معنى أن يكون للإنسان لباسٌ يحمل ذاكرة مجتمعه.
معنى أن تكون للمرأة التونسية خصوصيتها.
ومعنى أن تكون الأناقة أحياناً في أقل الأشياء، لا في أكثرها.
---
محطة الحافلة… ومحطة من محطات الذاكرة
تلك المحطة التي تظهر في الصورة لم تكن مجرد مكان ينتظر فيه المسافرون الحافلة.
كانت محطة للوداع والاستقبال، للرحلات القصيرة والطويلة، للدموع والضحكات، للحقائب الصغيرة، وللأمهات اللواتي يوصين أبناءهن قبل السفر:
"رد بالك على روحك… وما تتأخرش…"
كانت الحافلة المتجهة نحو تونس العاصمة تحمل عشرات القصص.
موظف ذاهب إلى عمله، طالب يحمل كتبه، إمرأة ذاهبة لقضاء حاجة، رجل يحمل معه بعض البضائع، وعجوز يزور قريباً لم يره منذ أشهر…
وكانت نابل آنذاك تعيش إيقاعاً مختلفاً.
إيقاعاً أبطأ، لكنه ربما كان أكثر أمتلاءً بالمعنى.
كان الناس يعرفون بعضهم بعضاً، وكانت التحية لها مكانها، والجار له قيمته، والكلمة لها وزنها، والمرأة لها هيبتها، والرجل يعرف أن الوقار ليس في رفع الصوت، بل في حسن التصرف.
---
السفساري… ذاكرة المرأة التونسية
السفساري ليس مجرد لباس تقليدي أندثر مع الزمن.
إنه شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ تونس الإجتماعي والثقافي.
هو ذلك البياض الذي رأيناه في شوارع المدن العتيقة، وفي الأسواق، وفي محطات النقل، وفي الأعراس والمناسبات، وفي صور الأمهات والجدات.
كان السفساري جزءاً من المشهد التونسي حتى أصبح من الصعب أن نتخيل بعض صور الماضي من دونه.
واليوم، حين نشاهد صورة قديمة لامرأتين ترتديان السفساري، لا نرى إمرأتين فقط…
نرى أمهاتنا وجداتنا وعمّاتنا وخالاتنا.
نرى نساءً حملن البيوت على أكتافهن، وربّين أبناءهن في زمن لم تكن فيه الحياة سهلة، وعشن القناعة قبل أن تصبح القناعة شعاراً، وعرفن معنى الصبر قبل أن نتعلم نحن معنى الكلمة.
نرى زمناً كانت فيه المرأة قد لا تملك الكثير من الأشياء، لكنها كانت تملك شيئاً لا يُشترى:
الهيبة.
---
يا حسرة على الحشمة والوهرة والوقار…!
وهنا لا بد من التفريق بين الحنين إلى الماضي وبين رفض الحاضر.
فليس كل ما مضى جميلاً، وليس كل ما نعيشه اليوم سيئاً.
لقد تغيّر الزمن، وتغيّرت الملابس، وتغيّرت وسائل النقل، وتغيّرت المدن، وتغيّرت طريقة الناس في الحياة.
لكن الذي يوجع القلب أحياناً ليس إختفاء السفساري…
بل إختفاء بعض القيم التي كان يرمز إليها.
أختفت أشياء كثيرة من تفاصيل الحياة اليومية:
التحية الصادقة…
إحترام الكبير…
حياء الفتاة…
وقار المرأة…
هيبة الرجل…
حرمة الجار…
دفء العائلة…
وبساطة العلاقات الإنسانية.
أصبحنا نعيش في زمن يملك كل شيء تقريباً، لكنه يفتقد أحياناً إلى أشياء لا تُشترى بالمال.
نملك الهواتف الذكية، لكننا نفتقد أحياناً إلى التواصل الحقيقي.
نملك وسائل نقل أسرع، لكننا لا نصل دائماً إلى قلوب بعضنا.
نملك ملابس أكثر، لكننا نفتقد أحياناً إلى ذلك الإحساس الجميل بأن للثوب معنى يتجاوز المظهر.
---
ومع ذلك، يبقى السفساري التونسي حياً في الذاكرة، وفي صور الأبيض والأسود، وفي خزائن بعض الأمهات والجدات، وفي المناسبات التراثية، وفي وجدان كل تونسي يعرف قيمة الماضي.
ولعل أجمل ما في هذه الصور القديمة أنها لا تقول لنا:
"عودوا إلى الماضي."
بل تقول:
"لا تنسوا من أين أتيتم."
فالأمم التي تنسى ذاكرتها تفقد شيئاً من روحها.
والمدن التي تهدم ذاكرتها لا تفقد حجارتها فقط، بل تفقد جزءاً من شخصيتها.
ونابل، هذه المدينة التي تختزن بين أزقتها وأسواقها وبيوتها القديمة صفحات طويلة من تاريخ تونس، تستحق أن نحافظ على صورها وذاكرتها وأزياء أهلها وعاداتهم وتقاليدهم.
---
ربما لن تعود تلك الحافلات القديمة…
وربما لن نرى السفساري في شوارعنا كما كان بالأمس…
وربما تغيرت المدينة، وتغير الناس، وتغيرت الحياة كلها.
لكن ستبقى صورة إمرأتين من المدينة العتيقة تنتظران الحافلة نحو تونس العاصمة، وهما ترتديان السفساري التونسي الأصيل، شاهدةً على زمن كان فيه للبساطة جمالها، وللحشمة مكانتها، وللوقار هيبته.
يا حسرة على أيام زمان…
يا حسرة على زمن كانت فيه المرأة تمشي في الشارع، فيُفسح لها الطريق إحترامًاً…
وعندما تتحدث، يُنصت إليها الناس…
وعندما تصمت، كان لصمتها معنى…
وكان السفساري الأبيض يحيط بها كأنه يقول:
هذه امرأة تونسية… لها تاريخ، ولها كرامة، ولها مكانة.
رحم الله أياماً لم تكن تعرف وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها كانت تعرف التواصل بين القلوب.
ورحم الله زمناً لم تكن فيه الحياة مثالية، لكنها كانت أكثر دفئاً، وأقل صخباً، وأشد تعلقاً بالستر والإحترام والأصالة.
فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها…
أحياناً يعيش في صورة قديمة.
وفي سفساري أبيض.
وفي محطة حافلات.
وفي إمرأتين تنتظران رحلة إلى تونس…
وفي قلب رجلٍ
يقف اليوم أمام الصورة، فيبتسم بحنين ويقول:
يا حسرة… على الحشمة والوهرة والوقار…!
هنا نابل بقلم المعز غَنِـي
كاتب وإعلامي من مدينة نابل
عاشق الترحال وروح الاكتشاف../.

تعليقات
إرسال تعليق