القائمة الرئيسية

الصفحات

أطواق النجاة في زمن العواصف: كيف يستعيد الشرق الأوسط وإفريقيا السلام وتجاوز النزاعات؟


بقلم: أشرف عبد الحميد

يمر الإقليم العربي والإفريقي بمنطقة الشرق الأوسط بأحد أكثر أوقاته حرجاً وتحدياً في التاريخ الحديث؛ حيث تداخلت الصراعات المسلحة، والأزمات الجيوسياسية، والنزاعات على الموارد، لتصنع حزاماً من الفوضى والتوترات الممتدة من ممرات البحر الأحمر وباب المندب، مروراً بالسودان وليبيا والصومال وسوريا والعراق، وصولاً إلى المواجهات المباشرة في فلسطين ولبنان، فضلاً عن التهديدات والهجمات الحوثية العابرة للحدود نحو مناطق والمنشآت السعودية.

لم تعد هذه التوترات مجرد أزمات سياسية أو عسكرية محصورة داخل حدود جغرافية ضيقة، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي ومجتمعي متعدي الحدود، يهدد أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأمن المائي والغذائي، وفرص التنمية المستدامة للشعوب العربية والإفريقية على حد سواء.

أولاً: كلفة نزيف الصراعات.. كيف اكتوى الاقتصاد العربي والإفريقي بالنار؟

تسببت حالة عدم الاستقرار والنزاعات المسلحة في توجيه ضربات قاسية للمكاسب التنموية التي حققتها دول المنطقة، وتتجسد هذه التأثيرات في النقاط الرئيسية التالية:

اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة البحرية: أدت التهديدات المباشرة في البحر الأحمر وباب المندب إلى قفزات قياسية في تكاليف الشحن البحري وإقساط التأمين، مما انعكس بالسلب على حركة التجارة الإقليمية ودفع كلفة الواردات والسلع الأساسية لمعدلات غير مسبوقة.

استنزاف الموازنات في الإنفاق الأمني: اضطرت الحكومات إلى توجيه حصص ضخمة من ميزانياتها نحو التسليح وتأمين الحدود وإدارة الأزمات الميدانية، وذلك على حساب الخدمات الأساسية مثل الصحة، والتعليم، ودعم المشروعات الصغيرة وتمكين الشباب والمرأة.

حروب الاستنزاف الداخلي والكوارث الإنسانية: تسببت الحرب الأهلية في السودان، والانقسام السياسي والأمني في ليبيا وسوريا، ونشاط الجماعات المتطرفة في الصومال، في تدمير البنية التحتية، وشلل حركة الإنتاج، والتسبب في أكبر موجات نزوح ولجوء إنساني شهدتها المنطقة، مما ألقى بعبء ثقيل على الدول المستضيفة.

هروب الاستثمارات وشلل قطاع السياحة: ألقت أزمات المنطقة بظلالها على البيئة الاستثمارية؛ حيث أدت حالة عدم اليقين والمخاوف الأمنية إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتضرر قطاع السياحة الحيوي، مما تسبب في انخفاض الإيرادات وتآكل القيمة الشرائية للعملات الوطنية.

ثانياً: من الفوضى إلى الاستقرار.. كيف يمكن أن يحل السلام؟

إن الخروج من نفق النزاعات المسلحة وحالة عدم الاستقرار يتطلب الانتقال من المسكنات المؤقتة والحلول الجزئية إلى إرساء مرتكزات استراتيجية شاملة للسلام عبر الآليات التالية:

تغليب مفهوم "الدولة الوطنية" وتفكيك المليشيات: لا يمكن تحقيق سلام دائم دون حصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية داخل الدولة، وتفكيك كافة الكيانات الموازية والمليشيات، لضمان سيادة القانون وحماية الحدود واستعادة كفاءة مؤسسات الدولة.

تفعيل الدبلوماسية الوقائية والحلول الإقليمية الذاتية: إثبات التجربة أن التدخلات والحلول المفروضة من الخارج غالباً ما تبحث عن المصالح الضيقة وتعمق الانقسامات. والحل يكمن في إعطاء الأولوية للمبادرات العربية والإفريقية المشتركة، وتدعيم دور جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي في صياغة تسويات سياسية شاملة تحترم سيادة الدول ووحدة أراضيها.

التنمية الاقتصادية كمدخل للسلام: يعتبر الاستثمار التنموي الشريك الأساسي للسلام؛ إذ ينبغي التركيز على إقامة مشروعات بنية تحتية وطاقة مشتركة، وتطوير مناطق تجارة حرة بين الدول العربية والإفريقية، بحيث تشكل المصالح الاقتصادية والتبادل التجاري حائط صد متين ضد خيارات الصدام والحروب.

ترسيخ المواطنة الشاملة وبناء الوعي: مواجهة الخطابات الطائفية والعرقية التي تستغلها بعض الأطراف لإذكاء النزاعات الميدانية. وهنا يبرز الدور الجوهري لمؤسسات المجتمع المدني والشباب والمرأة والقيادات الفكرية في نشر ثقافة الحوار، وتعزيز السلام المجتمعي، وتأكيد مفهوم المواطنة المتساوية لكافة أطياف الشعب.

الخاتمة

إن السلام في المنطقة العربية والإفريقية والشرق الأوسط ليس رفاهية اختيارية، بل هو ضرورة وجودية لا بديل عنها لاستعادة مسار التنمية وصون المقدرات الوطنية. إن العبور نحو مستقبل آمن يتطلب إرادة سياسية وتنموية صادقة تضع مصالح الشعوب وأمن الإنسان في مقدمة الأولويات، لتتحول ثروات المنطقة وموقعها الاستراتيجي من محرك للنزاعات إلى مركز للرخاء 

والازدهار الشامل.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات