القائمة الرئيسية

الصفحات

مصر في قلب النقاش الأممي بأبوظبي.. السفير محمد نصر يطرح رؤية القاهرة لمواجهة الإرهاب والجريمة في العصر الرقمي

 
مصر في قلب النقاش الأممي بأبوظبي.. السفير محمد نصر يطرح رؤية القاهرة لمواجهة الإرهاب والجريمة في العصر الرقمي

هاله المغاورى فيينا

لا تقتصر المشاركة المصرية في المؤتمر الخامس عشر للأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية المنعقد في أبوظبي على الحضور الرسمي أو تسجيل موقف دبلوماسي، وإنما تعكس انخراطًا مباشرًا في واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا على جدول العمل الدولي: كيف يمكن للدول أن تواجه جريمة تتغير أدواتها وشبكاتها بسرعة، بينما أصبحت التكنولوجيا والفضاء الرقمي جزءًا أساسيًا من بيئة الجريمة ومكافحتها في الوقت نفسه.

وفي هذا السياق، يبرز حضور السفير محمد نصر، المندوب الدائم لجمهورية مصر العربية لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، باعتباره أحد الوجوه المصرية المشاركة في النقاشات المتخصصة للمؤتمر، الذي تستضيفه أبوظبي خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر 2026 تحت شعار يرتبط بحماية الإنسان والكوكب وتعزيز سيادة القانون في العصر الرقمي. ويأتي ذلك بالتوازي مع مشاركة وفد مصري رفيع المستوى برئاسة المستشار محمود حلمي الشريف، وزير العدل، الذي عرض أمام المؤتمر التجربة المصرية في منع الجريمة وتطوير منظومة العدالة الجنائية. 

وتكتسب المشاركة المصرية خصوصيتها من تنوع الملفات التي حضرت فيها القاهرة، إذ لم تنحصر في مكافحة الجريمة بصورتها التقليدية، وإنما امتدت إلى الإرهاب والجريمة السيبرانية والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية والتعاون الدولي وبناء القدرات، وهي ملفات تتقاطع جميعها مع التحولات التي يناقشها المؤتمر الأممي في أبوظبي.

وشارك السفير محمد نصر متحدثًا رئيسيًا في اجتماع موضوعي رفيع المستوى تناول مبادرة «CONNECT» التي أطلقها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وتركز على تعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون وشبكات التعاون بين الدول الأفريقية في مواجهة الإرهاب والجرائم المرتبطة به. وخلال مشاركته، عرض نصر جوانب من الجهود المصرية والإقليمية في مجال منع الإرهاب ومكافحته، وبرامج بناء القدرات وتبادل الخبرات، مؤكدًا أهمية التدريب ورفع كفاءة المؤسسات الوطنية في مواجهة تهديدات تتطور أدواتها بصورة مستمرة.

وتتصل هذه الرؤية بطبيعة التهديدات الجديدة التي يناقشها المؤتمر؛ فالإرهاب لم يعد يعتمد فقط على الوسائل التقليدية، وإنما أصبح قادرًا على الاستفادة من الأدوات الرقمية والتقنيات المتقدمة في التواصل والتخطيط والدعاية والتمويل وتنفيذ العمليات. ومن ثم، فإن مواجهة هذه التهديدات لم تعد مسألة أمنية بحتة، بل أصبحت مرتبطة بامتلاك المعرفة والتكنولوجيا والكوادر القادرة على التعامل مع الأدلة الرقمية والشبكات العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، أبدت مصر اهتمامًا بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في إطار مبادرة «CONNECT»، بما في ذلك استضافة القاهرة دورات تدريبية موجهة إلى الدول الأفريقية، وهو توجه يضع بناء القدرات في صميم التعاون المصري مع محيطه الأفريقي، بدلًا من الاقتصار على تبادل المعلومات بعد وقوع الجرائم.

وتأخذ المشاركة المصرية بعدًا آخر من خلال ملف حماية التراث الثقافي، إذ شارك السفير محمد نصر أيضًا متحدثًا رئيسيًا في فعالية جانبية بعنوان «حماية التراث الثقافي في العصر الرقمي: أدوات لمكافحة الاتجار بالممتلكات الثقافية»، حيث جرى تناول قضية لم تعد ثقافية أو أثرية فحسب، وإنما أصبحت مرتبطة بالجريمة المنظمة والتهريب والتدفقات المالية غير المشروعة.

وفي هذا الملف، ركز الطرح المصري على أهمية توظيف التكنولوجيا الحديثة في حماية ورقمنة الممتلكات الثقافية، وتطوير أدوات الرقابة والتوثيق، إلى جانب تعزيز الأطر التشريعية الوطنية والدولية التي تسمح بملاحقة القطع الأثرية التي يتم الاتجار بها بصورة غير مشروعة والعمل على استردادها.

وتبرز هنا أهمية الانتقال من التعامل مع القطعة الأثرية باعتبارها مجرد ممتلك ثقافي مسروق إلى التعامل مع شبكة الجريمة التي تقف خلف تهريبها وتمويلها وتسويقها؛ فالاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية قد يمر عبر دول متعددة، وأسواق إلكترونية وشبكات مالية، وهو ما يجعل استرداد الآثار مرتبطًا بالتعاون القضائي وتبادل المعلومات وتتبع الأموال والعوائد غير المشروعة.

وتأتي هذه الملفات متسقة مع التوجه الأوسع للمشاركة المصرية في المؤتمر. فقد أعلن وزير العدل محمود الشريف، خلال أعمال الدورة، «تعهد مصر من أجل العدالة» للفترة 2026–2031، متضمنًا إجراءات في مجالات مكافحة الجريمة المنظمة والجريمة السيبرانية والاحتيال المنظم، وإنشاء مراكز تدريب متخصصة، والتوسع في معامل الطب الشرعي الرقمي، واستكمال إجراءات التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، وتعزيز التعاون مع وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون القضائي «يوروجست»، إلى جانب تحديث اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي. 

كما استعرض وزير العدل أمام المؤتمر عددًا من التطورات التي تقول مصر إنها شهدتها في منظومتها العدلية، من بينها قانون الإجراءات الجنائية الجديد، وميكنة مقار العدالة، والتوسع في التقاضي عن بُعد، وحماية الفئات الأولى بالرعاية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير منظومة الإصلاح والتأهيل. 

وعلى المستوى الدولي، عقد وزير العدل المصري مباحثات مع مونيكا جوما، المديرة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ورئيسة مكتب الأمم المتحدة في فيينا، تناولت استمرار التعاون في مجالات التدريب القضائي وإنشاء المراكز الإقليمية المتخصصة. كما شارك في حدث وزاري رفيع المستوى حول تعزيز التعاون القضائي الدولي، وعقد لقاءً ثنائيًا مع وزير العدل الإماراتي لبحث التعاون القانوني والقضائي وتبادل الخبرات. 

وتكشف المشاركة المصرية، بمستوييها الدبلوماسي والقضائي، عن محاولة الربط بين الخبرة الوطنية والعمل الدولي؛ فالقاهرة لا تقدم نفسها في أبوظبي باعتبارها متلقية للمعايير الدولية فقط، وإنما تطرح أيضًا خبرات وتجارب ومبادرات يمكن إدماجها في جهود ا

أنت الان في اول موضوع

تعليقات