القائمة الرئيسية

الصفحات

اختلاف الحضارات وسيطرة ثقافة القوي


ابو العز المشوادي 


لم يكن اختلاف الحضارات بين الشعوب يومًا مجرد اختلاف في اللغة أو الملبس أو الطعام أو العادات والتقاليد بل هو اختلاف في الأفكار والقيم والمعتقدات ونظرة الإنسان إلى الحياة والأسرة والمجتمع والحرية والواجب.


وعلى مر العصور سعت الحضارات إلى التوسع والانتشار فمنها من انتشر عن طريق التجارة ومنها من انتشر عن طريق العلم والمعرفة ومنها من فرض نفسه بالقوة العسكرية والاحتلال السياسي والهيمنة الاقتصادية والثقافية.


ولكن المثير للتأمل أن سيطرة القوي لا تتوقف دائمًا عند حدود الأرض والثروات بل قد تمتد إلى العقول والوجدان حتى يصبح المجتمع الضعيف مقلدًا لثقافة الأقوى منه دون أن يدرك أنه يتخلى شيئًا فشيئًا عن بعض ملامح هويته.


فالقوي لا يحتاج في كل الأحوال إلى أن يفرض لغته بالقانون أو عاداته بالسلاح فقد تكفيه السيطرة على وسائل الإعلام ومصادر المعرفة ومنصات التأثير وصناعة الصورة الذهنية حتى يجعل ما يريده مقبولًا وما يخالف ثقافته مستهجنًا في نظر الآخرين.


ومع تكرار الرسائل تتغير المعايير ويصبح التقليد دليلًا على التقدم في أذهان البعض ويصبح التمسك بالهوية دليلًا على التخلف في أذهان آخرين وهنا تكمن الخطورة الحقيقية حين يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين ما ينفعه وما يضره وبين ما يكتسبه من الحضارات الأخرى وما ينبغي له أن يحافظ عليه من ثوابته.


ولا يعني ذلك أن كل ما يأتي من الحضارات القوية شر ولا أن كل ما ورثناه عن أسلافنا صواب فالحكمة ضالة المؤمن والعلم النافع والخبرة والتقدم التقني أمور ينبغي الاستفادة منها مهما كان مصدرها ولكن الاستفادة شيء والتبعية العمياء شيء آخر.


إن المجتمع الواثق من هويته يستطيع أن يأخذ من الآخرين ما ينفعه دون أن يذوب فيهم ويستطيع أن يطور أدواته وأساليب حياته دون أن يتخلى عن قيمه وأخلاقه ومبادئه.


أما المجتمع الذي يفتقر إلى الوعي فإنه قد يستورد الأفكار كما يستورد السلع ويقلد أنماط الحياة دون أن يسأل عن نتائجها على أسرته وأبنائه وعلاقاته الاجتماعية ومستقبله.


وتظهر آثار هذا الخلل حين تتغير نظرة الأبناء إلى آبائهم وتتراجع قيمة الأسرة أمام النزعة الفردية ويصبح الاستهلاك مقياسًا للنجاح والمظهر معيارًا للمكانة الاجتماعية ويُنظر إلى القيم والأخلاق باعتبارها قيودًا تعوق الإنسان عن مواكبة العصر.


وهنا لا تكون المشكلة في اختلاف الحضارات بل في غياب الميزان الذي نزن به ما يصل إلينا منها.


إن أخطر صور الهيمنة الثقافية هي تلك التي تجعل الإنسان يتبنى أفكارًا لم يخترها عن وعي ويحتقر موروثه لمجرد أنه موروث ويقيس نجاح مجتمعه بمقدار تشبهه بمجتمع آخر دون أن ينظر إلى ما يعانيه ذلك المجتمع نفسه من مشكلات وتناقضات.


ومن هنا فإن حماية المجتمعات لا تكون بالانغلاق على العالم ولا برفض كل جديد وإنما ببناء الإنسان الواعي وتعزيز التعليم الرصين وترسيخ الهوية والاعتزاز باللغة والتاريخ والقيم مع تنمية القدرة على النقد والتحليل والتمييز.


فالحضارة الحقيقية ليست أن نرتدي ما يرتديه الآخرون أو نفكر بالطريقة التي يريدونها لنا بل أن نمتلك القدرة على الاختيار وأن نشارك في صناعة المعرفة وأن نقدم للعالم ما لدينا من خير وعلم وتجربة.


إن الأمم القوية ليست وحدها التي تملك السلاح والمال والتكنولوجيا بل إن من مظاهر قوتها قدرتها على التأثير في عقول الآخرين وصناعة المعايير التي يحاكمون بها أنفسهم ومجتمعاتهم.


ولذلك فإن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الاقتصاد والسياسة بل قد تكون أعمق أثرًا وأطول عمرًا لأن الأرض قد تتحرر من الاحتلال ولكن العقول قد تبقى أسيرة ثقافة المحتل سنوات طويلة.


والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس لماذا نتأثر بالآخرين فالتأثر سنة من سنن التفاعل الإنساني وإنما كيف نتأثر وبأي معيار نختار وما الذي نريد أن نحافظ عليه وما الذي نريد أن نطوره.


فمن لا يملك معاييره الخاصة سيجد نفسه يومًا ما يعيش بمعايير غيره ومن لا يحسن حماية وعي أبنائه سيترك الآخرين يشكلون ذلك الوعي نيابة عنه.


إن اختلاف الحضارات قد يكون بابًا للتعارف والتكامل والتقدم ولكن سيطرة ثقافة القوي تتحول إلى خطر حين يصبح التفوق المادي حقًا في فرض القيم وحين يتحول الانفتاح إلى ذوبان والتعلم إلى تقليد والاختيار إلى تبعية.


وحينها لا تكون خسارة المجتمع في ما يفقده من عادات فحسب بل في قدرته على م

عرفة نفسه وتحديد مستقبله وصناعة قراره .

تعليقات