القائمة الرئيسية

الصفحات

 من اليمن إلى الخليج: دبلوماسية وقف إطلاق النار المصرية



بقلم دكتور ابراهيم سالم المغربى 


رئيس الجمعية العربية الأوربية للتنمية المستدامة وحقوق الإنسان 


يتميز الدور المصري الحالي بطابع مزدوج: فعلى المستوى العسكري تتبنى القاهرة موقفاً دفاعياً محدوداً لردع الحوثيين وتثبيت السعودية، بينما تسعى على المستوى الدبلوماسي عبر اتصالات مكثفة ومتنقلة إلى احتواء جبهتين تشتعلان في آن واحد — المواجهة المباشرة بين اليمن والسعودية، والمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران التي قد تشعل حرباً شاملة.


في جبهة اليمن-السعودية، يقوم منطق وقف الحرب المصري على مبدأ "الدفاع هو الردع". فقد أعلنت مصر بوضوح أن أمن السعودية امتداد لأمنها القومي، وتعهدت بتقديم كل أشكال الدعم للمملكة متى طلبت ذلك. غير أن هذا الدعم محدد بدقة بـمهام دفاعية — حماية الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية — وليس إرسال قوات برية للقتال داخل اليمن. وفي الوقت ذاته، تُمرر مصر رسائل عبر قنوات الاستخبارات والدبلوماسية إلى الحوثيين، وتدفع في الكواليس نحو فتح مسار تفاوضي بين السعودية والحوثيين. وترى القاهرة أن التصعيد المستمر بين السعودية واليمن يخدم في المقام الأول مصالح إسرائيل، وليس أمن الدول العربية. وتسعى مصر إلى استخدام الردع العسكري القابل للتحكم كمساحة للتحرك الدبلوماسي، بما يدفع الحوثيين للعودة إلى طاولة المفاوضات، ويتجنب في الوقت نفسه سيناريو "عرب يقاتلون عرباً".


وفي جبهة المواجهة الأمريكية-الإيرانية، يبدو الدور المصري أكثر خفاءً لكنه لا يقل أهمية. فمصر تنسق مع تركيا وباكستان والسعودية، ضمن إطار "الآلية الرباعية الإقليمية"، للدفع نحو استئناف الحوار بين واشنطن وطهران. وتشير التحليلات إلى أن جهاز المخابرات العامة المصري اضطلع بدور قناة اتصال خلفية لإدارة الأزمة في فترات الجمود الدبلوماسي الرسمي: نقل تحذيرات إيران بشأن خطوطها الحمراء إلى الجانب الأمريكي، ونقل مخاوف واشنطن من التصعيد في الخليج إلى الجانب الإيراني، بما يقلل مخاطر سوء التقدير. ودوافع مصر واقعية للغاية: إيرادات قناة السويس، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، واستقرار أسعار الطاقة، كلها تعتمد اعتماداً مباشراً على عدم انفلات الأوضاع في الخليج. فالقاهرة لا تستطيع تحمل أي سيناريو يُستخدم فيه مضيق هرمز أو باب المندب كأداة ضغط.


وخلاصة القول: لم "تدخل" مصر حرب اليمن، بل هي تستخدم حداً أدنى من الوجود العسكري للحصول على أقصى قدر من النفوذ الدبلوماسي، ساعيةً — قبل أن تشتعل المنطقة بأكملها — إلى أن تكون الطرف الذي ما زال الجميع مستعداً للرد على اتصالاته.

تعليقات