القائمة الرئيسية

الصفحات

 من الربيع العربي إلى الربيع الأوروبي -الجزء الأول-



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني


دولة الجزائر


قراءة في التغيرات الاجتماعية الأوروبية بين التحذير السابق والوقائع الراهنة


غالبا ما تسبق الكلمة وقوع الحدث، وتلتقط القراءة النقدية الواعية رؤى ومؤشرات تتّضح أبعادها كاملة حين تنتقل من صفحات المقالات والتحليلات إلى أرض الواقع في الشوارع والساحات.


وهذا ما يستدعي اليوم العودة إلى مقالي الصادر بتاريخ التاسع من أوت 2026 بعنوان "خطر النزوح العربي على المجتمع الغربي أو ما يعرف بـ "الحرب الصامتة وتغيير ملامح المجتمعات الغربية"، وقد خصصت تلك القراءة لعمق التحولات السكانية والاجتماعية في المجتمعات الغربية، وما تثيره من تساؤلات تتعلق بالضغط على السكن والخدمات العامة، والتوازن الحرج بين الاستهلاك والإنتاج، ومستقبل الاستقرار المجتمع الغربي. 


ولم تمر نحو شهرين من توثيق المقال في الجرائد والمجلات الدولية، حتى توافقت رؤيتها الفكرية مع التصريحات السياسية للرئيس الأمريكي مؤخرا والذي أشاد إلى التغيرات العاصفة في فرنسا بقوله إنها تتعرض لاختلالات عميقة بسبب التدفّقات المهاجرة التي لا تتوافق مع القيم الثقافية والحضارية السائدة، مما يعكس اتساع دائرة القلق بشأن التحولات السكانية وأثرها على الأمن القومي والدولي. قائلا إن "فرنسا تحترق" ودعا إلى "إغلاق الحدود"، وأضاف "إن فرنسا تلك الدولة العظيمة التي تتعرض للغزو والنهب والحرق على يد مهاجرين، وجهاديين وشيوعيين يكرهون المسيحية، بل ويكرهون الحضارة الغربية. ملايين المهاجرين من دول العالم الثالث وهم أفراد لا يتوافقون إطلاقا مع الغرب ولا يتوافقون مع القيم الغربية."


كما شهدت القارة الأوروبية حرفيا هزة اجتماعية واقتصادية عارمة أعادت هذه القضية إلى صدارة المشهد؛ حيث انتفضت عدة عواصم ومدن أوروبية بعد مرحلة متقدمة من الاحتقان الشعبي المتصاعد. ففي 17 أكتوبر 2026، اندلعت موجة احتجاجات واسعة في فرنسا تزامنت مع تحركات مماثلة في بلجيكا وإيطاليا والبرتغال واسبانيا وألبانيا لتشمل كل دول أوروبا لاحقا. 


وقد وثقت هذه الوقائع تقارير نشرتها الجزيرة في 17 أكتوبر وEuronews في 19 أكتوبر 2026. إن هذه المشاهد الملتهبة جاءت تتويجا لمسار طويل من الاختلالات الديموغرافية والاجتماعية التي نبّهت إليها في قراءتي النقدية الاجتماعية المعمقة. لقد حذرت في مقالي من أن المجتمعات الإنسانية تخضع لقوانين كونية صارمة في التوازن، شأنها شأن الطبيعة التي تفرز النافع والعبء، والثمرة الطيبة والحشائش الضارة. ووضعت الإصبع على الجرح حين أشرت إلى الخلل الهيكلي المتمثل في تراجع دور الفئات المنتجة لحساب فئات استهلاكية تتكاثر دون مؤهلات حقيقية للبناء أو المساهمة الحضارية. 


وكما جاء في المقال أن الأحداث الحالية تظهر أن التحذير من انفجار اجتماعي بسبب الضغط الهائل على البنى التحتية، وخدمات النقل، وشبكات الصحة والتعليم في العواصم الأوروبية كان في محله، فهو انعكاس ملموس لحالة التكدس والاتكالية؛ حيث ينتج الاستهلاك المفرط دون إنتاج موازي آلاما مجتمعية واختلالات عميقة تسببت في تفكك منظومة الاندماج التقليدية. لقد بينت قراءتي الاستباقية أن التفاوت الكبير في معدلات النمو السكاني، وانعزال السكان الأصليين عن الإنجاب مقابل التدفّق المستمر لفئات تبحث عن الاستهلاك دون الإنتاج أو الاندماج الحقيقي، سيؤدي حتما إلى تآكل الهوية وتحويل العواصم الكبرى إلى مسارح للفوضى والاحتجاجات المتكررة. 


وما الاحتجاجات العمالية ومطالب الطلاب واضطرابات الضواحي في فرنسا وبلجيكا سوى الدليل الحي على تداعي منظومة الاندماج التقليدية. لقد أكدت الأحداث الحالية أن الحلول الترقيعية والعشوائية التي تتبناها الأنظمة العالمية لم تعد تجدي نفعا في احتواء الأزمات المتراكمة. إن ما حذرت منه يضع صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية لإعادة النظر في سياسات الهجرة، 


وتبني مقاربات صارمة تقوم على استقطاب الكفاءات والعقول المنتجة حقا، ووضع حد للسياسات التي تكرس الفوضى وتستنزف موارد المجتمعات.


ما نشهده اليوم في بعض الدول الأوروبية من مظاهرات طلابية تطالب بالإصلاحات، وتتخلّلها أعمال تخريب وفوضى، يعيد إلى الأذهان مشاهد عرفتها الدول العربية في مرحلة ما سمّيت بـ "الربيع العربي". وكان الأجدر أن يقرأ المشهد من زاوية أوسع، فيقال: ما حدث في الدول العربية بالأمس، ترى ملامح مشابهة له اليوم في أوروبا.


في التجربة العربية، رفعت الاحتجاجات شعارات إسقاط الأنظمة، وانتهت في عدد من البلدان إلى تغييرات سياسية عميقة، أفضت إلى صعود حكومات انضمت سياساتها للتبعية الخارجية، وانخرط بعضها في مسارات التطبيع مع إسرائيل، حتى باتت الشعارات الأولى موضع تساؤل أمام ما أفرزته الوقائع اللاحقة. فما الغاية النهائية من هذه التحرّكات؟ ومن يحدّد مسارها؟ وما القوى التي تستفيد من نتائجها؟


إن تشابه المشاهد بين الأمس العربي واليوم الأوروبي يستحق قراءة متأنية. فالمظاهرات التي تتزامن معها أعمال نهب وتخريب تفتح باب التساؤل حول طبيعة التنظيم، وتوقيت التحرّك، والجهات التي تهيئ الظروف لانطلاقه. فالأحداث السياسية الكبرى غالبا ما تجتمع فيها مطالب شعبية حقيقية مع حسابات قوى متعدّدة، وقد تصبح المطالب المشروعة مدخلا لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق مصالح تتجاوز الشعارات المعلنة.


لماذا يتصدّر الطلاب هذه التحرّكات تحديدا؟ وأين موقع العمال، وهم من أكثر الفئات تأثرا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟ وأين الأساتذة، الذين يتحمّلون أعباء متزايدة داخل المؤسّسات التعليمية؟ ولماذا يقع الاختيار على الفئة الطلابية في واجهة المظاهرات؟ هل لذلك علاقة بقدرتها على التعبئة وسرعة الانتشار، والبراءة والحماسة التي تحيط بها في الوعي العام؟ وهل تحمل هذه الاختيارات دلالات سياسية تستحق البحث؟


لقد شهدت بعض محطات الربيع العربي مشاركة واسعة للشباب، وظهر الأطفال في الشوارع ضمن مشاهد استثمرت بقوة في الخطاب الإعلامي. واليوم، يفرض تكرار بعض الصور البصرية والاجتماعية ضرورة التمييز بين الحراك الشعبي العفوي، والتحرّكات المنظّمة، وبين المطالب المعلنة والأهداف التي قد تتشكّل خلف الكواليس.


وتزداد حساسية المشهد حين تحضر الأعلام الفلسطينية والشعارات الدينية في المظاهرات، بالتزامن مع وقوع أعمال تخريبية. فهل يتم توجيه الرأي العام بتوظيف الرموز الدينية والإنسانية كمادة إعلامية تستخدم لاحقا لربط الاحتجاج بالفوضى والتطرّف؟ وهل يمكن أن تستثمر مشاهد التخريب لتفعيل مشاريع سياسية تسعى إلى توجيه هذا الغضب نحو أهداف محدّدة؟ ومن يملك القدرة على تحديد لحظة التصعيد، وتوجيه الخطاب الإعلامي المصاحب؟


إن قراءة الأحداث بعين نقدية تقتضي البحث في المصالح، ومقارنة النتائج بالشعارات، ومساءلة الجهات المستفيدة، لتكشف النتائج اللاحقة عن مسارات سياسية أكثر تعقيدا. فالشارع قد يرفع صوته مطالبا بالتغيير، لكن السؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحا هو: من يوجّه هذا الصوت، ومن يرسم الطريق الذي يسلكه، ومن يجني ثمار النهاية؟


إن ما يثير التساؤل في المظاهرات التي تشهدها بعض العواصم الأوروبية هو المسار الذي اتخذته الأحداث بعد فترة من الاحتجاجات. وما يثير الجدل أكثر هي مسألة ظهور مجموعات من المتظاهرين الملثّمين، ورفعهم أعلاما وشعارات متنوعة، وما قد يترتّب على ذلك من تكوين صورة إعلامية تجمع المهاجرين بالفوضى. فقد بدأت التحرّكات سلمية في صورتها الأولى بمناشدات وتطلّعات لطلبة مراهقين، ثم تجلّت مسألة إنزال الجيش إلى الشوارع. وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا الجيش حصرا؟ وما الذي يجعل السلطة تنتقل من التعامل مع المظاهرات وهي احتجاج اجتماعي إلى خطرا يهدّد أمن واستقرار البلاد؟


إن إدخال الجيش إلى الشوارع يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، خصوصا حين يأتي بعد تصاعد الحديث الرسمي عن التخريب والتهديدات التي تواجه الدولة. فحين تقدّم الاحتجاجات للرأي العام باعتبارها خطرا وطنيا، يصبح التدخّل العسكري قابلا للتبرير أمام الجمهور، وتمسي الفوضى حجة لتوسيع الإجراءات الاستثنائية. فيغدو احتمال أن تكون بعض الأطراف بصدد استثمار التصعيد لتوفير الغطاء السياسي لتدخّلات كانت ستواجه اعتراضا شعبيا في ظروف أخرى. ويتوجّب في هذه الحالة التحقّق من وجود خطة مسبقة التي تكشف تسلسل القرارات والجهات المستفيدة منها.


ثم يأتي التصريح الرسمي الذي يحمّل المهاجرين مسؤولية التخريب، ليفتح بابا آخر من الأسئلة: من المقصود بالضبط بهؤلاء المهاجرين؟ ولماذا تذكر جنسيات بعينها وسط تنوّع الهجرة في أوروبا؟ وما المعايير التي استندت إليها السلطات في تحديد الجهات المتّهمة؟


إن روسيا وإيران والجزائر، وفق ما ورد في بعض التصريحات، تستدعي قراءة تتجاوز الخطاب الأمني المباشر، خصوصا في ظلّ التوترات الدولية القائمة. فروسيا تقع في قلب المواجهة الجيوسياسية مع الغرب، وإيران مع صراعات إقليمية "أمريكا وإسرائيل"، بينما تحتل الجزائر موقعا استراتيجيا في شمال إفريقيا والبحر المتوسط، وتتمتع بعلاقات دولية مع روسيا والصين وإيران. ولذلك، فإن هذه الدول تتعلّق بزعزعة الاستقرار الأوروبي الأمريكي وفق التقديرات السياسية.


فروسيا وإيران لهما تعاون استراتيجي، والصين تمثل قوة دولية صاعدة تنافس الولايات المتحدة في مجالات متعددة، بينما تحتفظ الجزائر بعلاقات استراتيجية واقتصادية مع شركاء دوليين من بينهم الصين وروسيا، وفق حسابات مصالحها الوطنية.


ومن هذا المنطلق، يمكن طرح فرضية تستحق البحث: هل يجري توظيف المظاهرات في بعض الدول الأوروبية عمدا لتهيئة الرأي العام لحرب قادمة، ومرحلة أكثر تشدّدا في السياسات الأمنية والعسكرية؟ وهل يمكن أن يصبح تعزيز الإنفاق العسكري، وتعبئة المجتمعات استعدادا لمواجهة دولية أوسع أو حرب عالمية ثالثة؟


فالوعي الحقيقي يبدأ من مساءلة الروايات المعلنة، وفحص الأدلة، وملاحظة المصالح التي تتحرّك خلف القرارات، حتى تتّضح الحدود الفاصلة بين الوقائع والاحتمالات والسيناريوهات التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة. والاحتمال الوارد هو تصاعد المواجهة بين القوى الغربية من جهة، وروسيا والصين وإيران وشركائها من جهة أخرى، يظل حاضرا في الحسابات الجيوسياسية.


ما العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمظاهرات التي تشهدها بعض العواصم الأوروبية، خصوصا أن حلف الناتو يمثّل التحالف العسكري التقليدي الذي تتزعّمه واشنطن؟ يخرج الرئيس الأمريكي ليتحدث عن فرنسا وإيطاليا، محذرا من استقبال المهاجرين، وأن وجودهم سبب أعمال التخريب والاضطرابات التي تشهدها بعض العواصم الأوروبية. وهنا تبرز مسألة تستحق التوقف عندها: كيف تتطابق التصريحات الأمريكية مع الأفكار التي طرحتها في مقالي المنشور قبل شهرين حول النزوح والهجرة والتحولات الثقافية؟


لقد أشار ترامب، وفق التصريحات المتداولة إعلاميا، إلى أن فرنسا تواجه اختلالات عميقة بسبب التدفّقات المهاجرة التي يرى أنها تتعارض مع قيمها الثقافية والحضارية، كما تحدث عن النهب والحرق، وأحال هذه المشاهد إلى مهاجرين وجهاديين وشيوعيين، متّهما إيّاهم بمعاداة المسيحية والحضارة الغربية، وداعيا إلى إغلاق الحدود.


وهو ما ذكرته حرفيا في مقالي السابق، حيث كتبت عن ظاهرة النزوح السكاني الهائل، وما قد تثيره من تساؤلات حول تأثيراتها في التركيبة السكانية والاقتصادية والثقافية للمجتمعات المستقبلة. وتناولت احتمال ظهور ممارسات إجرامية، مثل السرقة والتخريب، إلى جانب التغيرات الاجتماعية والثقافية التي قد تصاحب موجات النزوح غير المنظمة. كما طرحت فكرة أن النزوح العشوائي قد ينقل مشكلات اجتماعية وبيئية وسلوكية إلى المجتمعات المضيفة، ويضعها أمام تحديات تتعلّق بالاندماج والتعايش والمحافظة على الخصوصية الثقافية.


إن ما يستوقفنا هنا هو التطابق الكلي بين المحاور التي تناولتها في المقال والخطاب السياسي الذي ظهر لاحقا لأبرز شخصية عالمية مؤثرة ومسيطرة على الدول: الهجرة، والهوية الحضارية، والدين، والأمن، والخوف من التحولات السكانية. وقد أثار هذا التشابه تساؤلا حول التقاء الرؤى عند تشخيص الظاهرة واقتراح التعامل معها.


وما قلته في مقالي:


"تثير ظاهرة النزوح السكاني الهائل قلقا حقيقيا في المجتمعات المستقبلة حيث تطرح تساؤلات حول تأثيراتها على التركيبة السكانية والاقتصادية والثقافية. فبعض الموجات النزحية تحمل معها عادات وتقاليد مختلفة قد تتعارض مع قيم المجتمعات المضيفة، قد تلجأ تلك الفئات النازحة إلى سرقة المنازل والأموال واستفراغ البنوك وتحطيم السيارات أو تحويلها إلى قطع غيار ثم بيعها، لأنهم سارقون ولصوص ".


"النزوح والعشوائية يشكلان خطرا كبيرا على الدول والمجتمعات؛ فعندما ينزح الناس بطريقة عشوائية يحدث نفس الخلل في الدول التي يصلون إليها، وينقلون معهم فساد الاخلاق والتفكر والقمامة والأوساخ التي حملوها من أوطانهم".


"إذا استمرت الأوضاع على هذه الوتيرة الخطيرة، ستقلّ نسبة الأوروبيين ويسكن مكانهم الأعراب، وإذا تكاثروا في أوروبا؛ لن يستفيدوا شيئا منهم لأنهم غير منتجين، كونهم مستهلكون فقط. يملؤون أوروبا، حتى الكنائس ستسقط، ودين الإسلام لن يقيموه، لأنهم أصلا ليسوا متمسكين به؛ سيدمرون هذا وذاك! ليس فيهم خير على الدول المستقبلة، سواء أوروبا أو أمريكا أو الصين أو اليابان.. أينما حلّوا وارتحلوا هم كالعفن الذي قد يصيب هذه الدول."


كيف يمكن تفسير هذا التقارب الحرفي في الأفكار الواردة في المقال وما صرحه الرئيس الأمريكي في القضايا المتعلقة بالهجرة والهوية في المرحلة الراهنة؟


ثم تبرز مسألة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. فإذا كانت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون متعاونين عسكريا وسياسيا لأمد طويل، فكيف تجتمع سياسات الهجرة مع حسابات الأمن القومي والاستعدادات العسكرية؟ ولماذا يتصاعد الخطاب حول الهجرة والخطر الحضاري في وقت تتفاقم فيه التوترات الدولية؟


لقد كانت أوروبا تستقبل المهاجرين لأسباب متعددة، من بينها احتياجات سوق العمل، وتعويض النقص في بعض الفئات المهنية، والاستجابة للأزمات الإنسانية. واليوم، يتصاعد الجدل حول قدرة الدول على إدارة الهجرة، وحدود الاندماج، وتأثير التغيرات السكانية في الهوية الوطنية. وهذا التغيير في الخطاب يستحق الدراسة، حين تترافق الدعوات إلى التشديد في غلق الحدود مع تصاعد الحديث عن التهديدات الأمنية والثقافية.


واستنادا إلى ذلك، تطرح فرضية أخرى: هل يمكن أن تكون المظاهرات الأوروبية قد استثمرت سياسيا لتوفير مبرّرات شعبية لسياسات أكثر صرامة تجاه المهاجرين؟ أو حسابات أوسع تتعلّق بالصراعات الدولية المقبلة، في ظل التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا، والتنافس الاستراتيجي مع الصين، والصراع مع إيران؟


إن ما أراه في تتابع هذه الأحداث يثير تساؤلات عميقة حول احتمال وجود تخطيط سياسي يستثمر المظاهرات والاضطرابات لتبرير سياسات أكثر تشددا تجاه المهاجرين. فقد طرحت في مقالي السابق فكرة أن التحولات السكانية قد تصبح عاملا مؤثرا في مستقبل المجتمعات الأوروبية، وأن تداعياتها قد تمتد إلى الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين. واليوم، حين تتصاعد التصريحات التي تربط الهجرة بالأمن القومي والهوية الحضارية، يجد المتأمّل نفسه أمام مشهد يستحق المقارنة مع الأفكار التي تناولتها آنذاك.


لقد كتبت سابقا: "يتجلى قلق آخر يتعلّق بالتحولات الثقافية التي قد تطرأ على المجتمعات الأوروبية نتيجة هذا التدفق السكاني. فبعض السلوكيات والعادات الوافدة قد تتعارض مع القيم الأوروبية الراسخة، مما يخلق نوعا من التصادم الثقافي. كما يخشى بعض المراقبين من تراجع المستوى الحضاري والثقافي في هذه المجتمعات، خاصة مع استمرار موجات النزوح دون ضوابط واضحة. ولكن إذا تسلّموا الاقتصاد أو السياسة، سيدمّرون هذه البلدان كما دمّروا أوطانهم؛ ففي بلادهم لم يبنوا سياسة ولا اقتصادا مستقرا، إذن سيحدث نفس الشيء لهذه الدول، وسيدخلون عليها العادات العشوائية".


وأضفت في المقال نفسه أن الحرب الديموغرافية قد تكون أعمق أثرا من المواجهات العسكرية التقليدية، لأن حركة السكان تحمل معها تحولات لغوية وثقافية واجتماعية تتراكم آثارها عبر الزمن. وطرحت تساؤلا حول المفارقة التي تصنعها الحروب: قوى دولية تشارك في صراعات تدفع السكان إلى مغادرة أوطانهم، ثم تتجه أعداد من هؤلاء السكان إلى الدول نفسها أو إلى دول حليفة لها بحثا عن الأمان والاستقرار. "وأما الحرب العالمية التي تشن الآن في العالم من سيفوز بها؟ غالبا هم الأعراب! ظاهرها الأخبار والإعلام يقولان أمريكا هي الفائزة وأوروبا؟ والحقيقة والواقع يقولان إن أمريكا وأوروبا والصين واليابان وروسيا وحدهم الخاسرون فيها. والسؤال الذي يطرح نفسه؛ من يربح فعلا هذه الحرب الديموغرافية الصامتة؟".


ومن هنا جاء لما أسميته "الاستعمار البارد" أو "الحرب الديموغرافية الصامتة"، التي قد تعيد تشكيل المجتمعات من خلال حركة السكان وتغير البنية السكانية والثقافية.


وما يستوقف المحلّل السياسي والاستراتيجي كذلك هو نشر الجيش والمعدّات العسكرية في الشوارع. فعندما ينتقل التعامل مع المظاهرات من الشرطة إلى مشاركة القوّات المسلّحة، يصبح من الضروري التساؤل عن تقدير السلطات لحجم المخاطر، وطبيعة المهام الموكّلة إلى الجيش، والضوابط القانونية التي تحكم تدخّله. وقد تحمل هذه الخطوة رسالة أمنية قوية إلى المجتمع، ومؤشرا على تصاعد مستوى التأهّب وإعلان حالة الطوارئ في البلاد.


وقد يصل التشدّد في سياسات الهجرة إلى مرحلة "صفر مهاجر"، بطرد كل من لا تعود أصوله إلى فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا أو إسبانيا. وهذه سابقة لم تحدث من قبل.


وعندما يسافر الرئيس الأمريكي وجنوده إلى منطقة الشرق الأوسط المستهدفة، وتطرح مشاريع تتعلّق بإقامة ما يسمّى "إسرائيل الكبرى"، يتجلى الفارق بين النصر والخسارة في الحسابات الاستراتيجية. فما المكاسب التي يمكن أن تحقّقها القوة العسكرية إذا انتهت الحروب إلى استنزاف المجتمعات والاقتصادات، وإلى خسائر بشرية وسياسية طويلة الأمد؟ إن السيطرة على الشرق الأوسط، مهما اتّسعت، تظلّ محكومة بتكاليفها ونتائجها، وقد تغدو المكاسب العسكرية الآنية محض خسارة وأعباء استراتيجية تمتد آثارها عبر الأجيال. وفي المقابل، قد تتعرّض الولايات المتحدة وأوروبا لخسائر فادحة كأراضيهم إذا عجزتا عن إدارة التحولات السكانية والاقتصادية والثقافية التي تواجههما. ماذا سيحدث بعد خمسين أو ستين سنة إذا استمر النمو الديموغرافي للمهاجرين بوتيرته المتسارعة؟ كيف ستبدو المدن الأوروبية؟ وما الذي سيطرأ على لغاتها وأسواقها ومؤسساتها وأنماط حياتها؟


قد يجد الزائر في مدن أوروبا مستقبلا حضورا أكبر للأذان والمساجد، وازديادا في أعداد المصلّين، وانتشارا أوسع للحجاب والملابس التقليدية، إلى جانب أسواق شعبية غير منتظمة. وقد تخرب الأحياء والمؤسّسات بفعل نمو المجتمعات ذات الأصول المهاجرة تفشي ظاهرة انتشار حمل السلاح.


وقد يجد الأوروبيون أنفسهم أمام أموالهم التي تنفقها دولهم على هؤلاء المهاجرين، الذين جاؤوا إلى أوروبا بحثا عن الطعام والشراب والنوم والتكاثر، دون أن تكون لديهم أهداف أخرى يسعون إلى تحقيقها.


ومن الغباء الشديد افتراض أن الحضارة الأوروبية أو الحضارة الأمريكية الحالية ستسقط بسهولة على يد هؤلاء المهاجرين. لأن هذه المجتمعات تهتم بالعلوم والدراسات والمعارف، وتعمل على تطوير مجالات متعددة، وهم، أقل نفاقا وكذبا كما أن اهتمامها بالشهوات لا يبلغ تلك الدرجة التي اعتادت عليها تلك الفئات الوافدة.


وما ذكرته في المقال سابقا تم دراسته مفصّلا من قبل متخصّصين غربيين وتبيّن لهم أنه دقيق، لما قلت "إذا تمكّن هؤلاء من الوصول إلى الحكم والسيطرة، فما الفائدة التي ستجنيها المجتمعات الغربية من ورائهم؟ إذا كانوا قد أفسدوا دولهم، فهل سيعملون على تسليحها وبنائها؟ لقد شهدنا دولا سقطت، وأخرى تراجعت أوضاعها ومن غير المستبعد أن انتقال هؤلاء إلى دول أخرى سيؤدي إلى تكرار التجربة نفسها! كيف لا وهم يحملون معهم مشاعر الحقد، ويلحقون الأذى بالعين والحسد على الآخرين فتتعرّض المؤسّسات والمحلّات وسائر مظاهر الحياة للتخريب والإفساد بسبب طاقاتهم السلبية. كما قيل "العين تدخل الرجل القبر".


إذا استمر وجود الأعراب وتكاثرهم في أوروبا، القارة قد تواجه، خلال السنوات العشر المقبلة، تحولات خطيرة قد تهدد استقرارها ومستقبلها. وقد تتعرض للكوارث والدمار، وأن تصل الأمور إلى حد محو معالمها، بسبب آثار وجودهم. فما بالك عندما ينقل هؤلاء معتقداتهم الدينية ويفرضونها على المجتمعات التي يعيشون فيها؟ يصلّون في الشوارع، حتى يظهروا للآخرين وجودهم ويدعوهم إلى الاقتداء بهم كما يزعمون. فهل هذا هو المقصود من العبادة؟ أليس بإمكان المصلّي أن يقيم صلاته في المسجد أو في بيته للحفاظ على خصوصيتها؟ ولماذا يختار الشارع لإظهار تديّنه في مجتمع يضمّ أتباع ديانات ومعتقدات متعددة؟


وما تم تداوله في الإعلام وإذا ثبتت صحته، وهو ما نسب فيه إلى مهاجرين جزائريين قولهم إنهم سيحرقون فرنسا. فقد يستغل مثل هذا الخطاب لتأجيج المخاوف وتوجيه الرأي العام نحو اعتبار المهاجرين تهديدا أمنيا، ليستخدم كذريعة في ضرب روسيا وحلفائها، كونهم يسعون إلى تخريب الدول الأوروبية من الداخل. ويزداد هذا الاحتمال أهمية في ضوء التصريحات التي تدعو الشعوب إلى الاستعداد لحرب قريبة ضد روسيا.


فكلّ حرب تقدّم لها ذريعة تسجّل في التاريخ لتبريرها أمام الأجيال اللاحقة. وهذا ما حدث في عدد من الحروب السابقة؛ فعندما أرادت فرنسا ضرب الجزائر، استندت إلى حادثة المروحة، حين ضرب الداي حسين القنصل الفرنسي. وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، بررت تدخّلها بامتلاك النظام العراقي أسلحة الدمار الشامل. وعندما تدخّلت في ليبيا، استندت إلى مبرّرات تتعلّق بحكم القذافي وسياساته. وهكذا، كل دولة أو حاكم يوضع في موضع الاتهام، وتقدّم أسباب لتبرير استهدافه.


واليوم يجري إعداد ذرائع جديدة لاستخدامها في مواجهة روسيا وحلفائها. وإلا لماذا يسلّط الإعلام الفرنسي الضوء على مقاطع يقال فيها إن مهاجرين جزائريين يهدّدون بإحراق فرنسا؟ وفرنسا فعلا قد شهدت أعمال حرق وتخريب، وبالتالي ستستغل هذه الأحداث لإلقاء المسؤولية على المهاجرين الجزائريين عموما، ثم توسيع الاتهامات لتشمل الدولة نفسها. وأما اللافتات والأعلام الفلسطينية والخطاب الديني الذي يظهر في مظاهرات فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، ستوظّف في بناء خطاب سياسي ضد إيران وروسيا وحلفائهما. 


فمسار أحداث التخريب ما هي إلا مادة إعلامية تستخدم لإقناع الشعوب بضرورة الدخول في حرب ضد هذه الدول. والعالم يقترب من مرحلة شديدة الخطورة، قد تتجه فيها المواجهة نحو حرب عالمية بين معسكر الشرق ومعسكر الغرب. وفي هذا السياق، سيتم التوجه نحو طرد كلّي للمهاجرين من أوروبا، وهو جزء من التغييرات التي تسبق هذه المواجهة.


وعلى إثر غياب الردع القانوني خلال الأيام الأولى من المظاهرات التي شهدتها العواصم الأوروبية، سمح بتفاقم أعمال التخريب التي طالت منشآت عامة ومحلات خاصة، حتى في ظلّ وجود خلافات بين المحتجّين والحكومات. وهنا يبرز سؤال أساسي: ما علاقة ممتلكات المواطنين بهذه الخلافات؟ 


فالمواطن الذي يملك متجرا أو ينتفع بمرفق عام قد يدفع الضرائب ويسهم في اقتصاد الدولة، وقد لا تكون له أي مسؤولية عن القرارات الحكومية التي يعترض عليها المحتجّون. فالاعتداء على ممتلكات المواطنين يكشف عن مشكلة تتجاوز الخلاف السياسي؛ فحين يعاقب الناس على خلافات لا يتحملون مسؤوليتها، يصبح السلوك عدوانا على المجتمع نفسه. وإذا كان شخص ما يحمل حقدا تجاه دولة استقبلته، فلماذا اختار الهجرة إليها والإقامة فيها؟ ولماذا يستهدف مواطنين لم يعتدوا عليه ولم يتسبّبوا له في ضرر؟ 


المواطنة الصالحة تقوم على احترام القانون، وصون الممتلكات العامة والخاصة، والتمييز بين الحكومة والشعب. فمن لديه حقد وكيد وخلاف مع حكومة بعينها يستطيع التعبير عنه بالوسائل القانونية والسلمية، أما تخريب المحلات والمرافق العامة فيضر بالمواطنين قبل أن يمسّ المسؤولين.


وإذا كان مهاجر يكره فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا أو أمريكا إلى درجة العداء، فعليه أن يراجع موقفه من الإقامة في الدولة التي يعلن عداءه لها، وأن يدرك أن الهجرة إليها تقتضي احترام قوانينها وحقوق سكانها. أما تحويل الإقامة فيها إلى وسيلة للإضرار بها، فتثير تساؤلات خطيرة حول معنى الاندماج والولاء واحترام المجتمع المضيف. فلا يمكن تبرير الاعتداء على الناس بحجة الخلاف مع حكوماتهم؛ فالحكومة قد تبقى بعيدة عن الضرر، بينما يتحمّل المواطن العادي خسارة متجره أو ممتلكاته أو شعوره بالأمان. وهذا ما ينبغي أن يفهمه الجميع: الهجرة إلى دولة تقتضي احترام أهلها ومؤسّساتها وقوانينها والخلاف السياسي لا يمنح المهاجر الحق في الاعتداء على الأبرياء وإلا يعتبر مهاجرا غير صالح وخطيرا على الدولة المضيفة له.


أرى أن ما حدث خلال بعض المظاهرات الأوروبية يعزز المخاوف التي سبق أن عبّرت عنها في مقالي. فقد لاحظ المراقبون أنه خلال يومين أو ثلاثة، ووفق ما تابعه الإعلام العالمي، أنه لم تتدخّل الأجهزة الأمنية بالقدر المتوقع، ثم تدخلت لاحقا وفرضت سيطرتها على الوضع. مما يفتح باب التساؤل عما إذا كان ترك المظاهرات لبعض الوقت قد أتاح للسلطات اختبار ما يمكن أن يحدث في ظل تراجع الحضور الأمني. وقد شهدت تلك الفترة أعمالا تخريبية لافتة، أعقبها ضبط للأوضاع بعد تدخّل الأمن.


وهذا ما يدفع المحلّلين إلى العودة إلى الفكرة التي طرحتها سابقا: ماذا لو دخلت فرنسا في حرب مع روسيا، وكانت روسيا الطرف المتفوق في المواجهة؟ ما الذي قد يحدث داخل فرنسا إذا انشغل الجيش بالقتال خارج البلاد، فقد تواجه تحديا في حماية أراضيها ومؤسساتها إذا تصاعدت الاضطرابات الداخلية مع المهاجرين المستغلين لهذا الظرف. وقد لا تكفي الشرطة وأجهزة الدرك وحدهما لمواجهة كل الاحتمالات في ظروف استثنائية. وينطبق السؤال نفسه على إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية إذا دخلت في مواجهة عسكرية مع روسيا أو الصين. فقد تجد الدولة نفسها أمام فكّين وضغط مزدوج: عدو خارجي تواجهه قواتها المسلّحة، واضطرابات داخلية تستغلّها جماعات إجرامية أو متطرّفة من المهاجرين قد تنشأ في الوقت الذي تنشغل فيه تلك القوات بالحرب.


وفي هذه الحالة، يصبح استقرار الجبهة الداخلية عنصرا أساسيا في قدرة الدولة على خوض أي مواجهة عسكرية طويلة. فعلى الحكومات التي تستعد للدخول في حرب واسعة أن تنظر بجدية إلى المخاطر الأمنية الداخلية التي يحدثها المهاجرين، وتسعى إلى تقليل مصادر الاضطراب قبل الاستعداد لمواجهة الأخطار الخارجية. وقد يكون تشديد سياسات الهجرة والإقامة، أو إعادة النظر فيها، جزءا من هذا التوجه. وهذا ما أشرت إليه في مقالي السابق بشأن ضرورة الانتباه إلى التحديات الداخلية.


وإذا افترضنا أن دولة أوروبية تضمّ عشرين ألف مهاجر، أو خمسين ألفا، أو حتى ثمانين ألفا، فإن السؤال الاستراتيجي يتمثل في كيفية ضمان الأمن الداخلي خلال الحرب، وكيفية منع المهاجرين لاستغلال الظروف الاستثنائية في زعزعة استقرار البلاد. فحجم السكان وتنوع أوضاعهم قد يفرضان متطلّبات إضافية على مؤسّسات الدولة في مجالات الأمن والإدارة كتسخير الملاجئ وتحقيق الاكتفاء الغذائي.


فعند العودة إلى ما حدث في الشرق الأوسط؛ فقد أدت الحروب إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان إلى دول غربية، واستقر بعضهم فيها تحت صفة اللجوء. وهذا التحول السكاني يمثل تحديا طويل الأمد للدول المستقبلة، خصوصا عندما تتزامن الهجرة مع ضغوط اقتصادية واجتماعية وأمنية.


ومن هذا المنطلق، فإن الدول الغربية قد بدأت تعيد حساباتها وفق ما جاء في المقال السابق بشأن الاستعداد لمواجهة روسيا وحلفائها، وأن أمن الداخل أصبح جزءا من تقدير المخاطر العسكرية. فالدولة التي تخوض حربا خارج حدودها تحتاج إلى ضمان استقرار مؤسساتها ومجتمعها في الداخل، لأن أي اضطراب واسع قد يزيد من كلفة الحرب ويضعف قدرتها على الصمود.


ومن ثم، تتكشف الصلة بين ما طرحته في مقالي آنفا والتصريحات السياسية الأمريكية والأوروبية، التي تقوم على استراتيجية قد أرسلت إلى مسؤولين أوروبيين ووصلت إلى جهات سياسية وأثّرت في توجه هذه القضايا. وهذا الذي أكّدته تصريحات الرئيس الأمريكي والتي جاءت كاستجابة مباشرة له.


فالاستعداد لحرب محتملة قد يدفع الحكومات الغربية إلى التعامل بصرامة أكبر مع ما تعتبره مخاطر أمنية داخلية، بما في ذلك المخاطر التي قد تنشأ عن المهاجرين المقيمين داخل البلاد. فإذا تعرّضت دولة أوروبية لهجوم روسي بقنبلة أو اثنتين، فقد تنشأ حالة من الاضطراب الأمني تستمر خمسة أو ستة أيام قبل أن تتمكن السلطات من استعادة السيطرة. 


وقد تستغل بعض الجماعات هذه الفترة لإحداث اضطرابات واسعة تتجاوز قدرة الدولة على احتوائها، بما يهدّد استقرارها من الداخل. وقد شهد التاريخ عدة محطات تحالف فيها اليهود مع قوى خارجية، ضد الممالك والبلدان التي كانوا يعيشون فيها. فقد قدّم اليهود في بابل تسهيلات ودعما استخباراتيا ودبلوماسيا للفرس، وتنوعت الدوافع وراء ذلك بين الرغبة في الانتقام، أو التخلص من الاضطهاد، أو تحقيق مكاسب سياسية ودينية. وفي هذا السياق، تذكر الروايات التاريخية نقضا للعهود والمواثيق قبل السبي البابلي، أو في شبه الجزيرة العربية حين غدر يهود بني قريظة بمسلمي المدينة ونقضوا عهد الدفاع المشترك، وتحالفوا مع المحاصرين لفتح ثغرة لجيوش المشركين من الخلف، وهو ما وصف تاريخيا بالخيانة العظمى التي كادت تودي بالمدينة بأكملها. 


وفي بلاد الشام خلال الحروب الطاحنة البيزنطية الساسانية، تذكر مصادر تاريخية تحالف اليهود مع الجيش الفارسي الغازي ضد جيرانهم وحكامهم البيزنطيين وساعدوا الفرس في اجتياح القدس والسيطرة عليها، وشاركوا في مجازر واسعة ضد السكان المسيحيين المحليين وتدمير الكنائس، قبل أن يسترد الروم المدينة لاحقا وينتقموا منهم. 


ولما كان لليهود في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي عام 1830 مكانة مستقرة كجزء من النسيج المجتمعي المحلي ولكن انحازت الأغلبية الساحقة من الطائفة اليهودية المحلية في الجزائر إلى جانب الاستعمار الفرنسي ومنحت لهم الجنسية الفرنسية جماعيا، واعتبر هذا الموقف شعبيا وتاريخيا بمثابة خذلان أو قطع لأواصر العيش المشترك مع المجتمعات العربية والمسلمة التي عاشوا بين ظهرانيها لقرون. وفي تونس والمغرب، كان الوضع مشابها وإن كان بدرجة حدة أقل نظرا لاختلاف طبيعة الاستعمار حماية وليس استيطانا مباشرا كالجزائر.


فالدرس الذي وجب استخلاصه في سياق الاستعداد للحروب هو أن الدول تحتاج إلى تقييم احتمالات الغدر والخيانة بالتعاون مع قوى معادية، والتجسّس، وتسريب المعلومات، والتخريب الداخلي.


ومما لا شك فيه وقد لاحظه وتابعه الخبراء الاستراتيجيون كذلك هو تغير في الخطاب السياسي الأمريكي المتعلّق بالمسلمين والهجرة. فقد كان الخطاب، يركز في السابق على رفض انتشار الإسلام في أوروبا أو أمريكا، بينما يتّجه اليوم نحو المطالبة بغلق الحدود وتقليص الهجرة إلى أدنى مستوى، وصولا إلى شعار "صفر مهاجر". في ظل مخاوف أمنية واستراتيجية أوسع، خصوصا مع تصاعد الحديث عن احتمال اندلاع حرب بين القوى الغربية وروسيا أو إيران والشمال الإفريقي.


فإذا أرادت دولة أوروبية الدخول في مواجهة مع روسيا أو إيران، فإنها ستحتاج إلى تقدير جميع المخاطر المحتملة في الحرب. فوجود مهاجرين من الجزائر أو إيران داخل أوروبا يجعلهم جميعا مستعدين لتدميرها. وبناء على ذلك، فإن التخطيط العسكري والأمني يقتضي الاستعداد لاحتمالات الخيانة، التجسّس والتخريب والتسريب من طرفهم.


وأي حرب مقبلة قد تدفع الحكومات الغربية إلى طرد جميع المهاجرين الذين يشغلون مواقع حساسة، أو يمتلكون نفوذا في مؤسسات ذات أهمية بالغة، أو يستطيعون الوصول إلى معلومات سرية. وقد تشمل هذه الإجراءات اتخاذ احتياطات استثنائية لحماية المنشآت الحيوية والمعلومات الاستخباراتية والتحركات العسكرية، بمن فيهم أصحاب المناصب المرموقة، بسبب أصولهم الخارجية. 


كما تبرز مخاوف عن أمن المستشفيات الكبرى والجامعات والمصانع والمنشآت الاستراتيجية. فماذا لو استغل شخص ذو جنسية أجنبية يعمل في مؤسسة حساسة موقعه لتسريب معلومات أو تسهيل عملية تخريب؟ وماذا لو صوّر تحرّكات الجنود، أو نقل مواقعهم ومعلومات عن عملياتهم إلى جهة معادية؟ هذه احتمالات أمنية تستحق الاستعداد لها. فالمسألة تستدعي طرد جميع المهاجرين خلال الحرب وإمكانية السماح لهم بالعودة بعد انتهائها واردة جدا.


إن الاستعداد لـ "حرب عالمية قادمة" يسبقها اتخاذ إجراءات واسعة لإعادة المهاجرين إلى بلدانهم، بمن فيهم النساء والأطفال. وفي هذه المسألة، قد تقتصر الاستثناءات على أشخاص تحتاج إليهم الدول لأداء مهام عسكرية أو تقديم خدمات ضرورية خلال الحرب. فالحرب تفرض ضغوطا كبيرة على الموارد، وقد تؤدي إلى نقص الغذاء والأدوية والمياه والبنزين، فضلا عن زيادة الحاجة إلى الأمن والملاجئ وحماية السكان. وفي خضم هذه الظروف لحرب قصوى، قد تمنح الأولوية لمواطنيها عند توزيع الموارد المحدودة، خصوصا إذا أصبحت الإمدادات الغذائية والطبية بالكاد تكفي لتلبية احتياجات السكان الأصليين. فإذا تعرّضت دولة أوروبية لهجوم روسي وسقط ضحايا كثر، فقد تواجه مؤسّساتها الصحية قرارات جذرية بشأن توزيع العلاج والطاقة الاستيعابية للمستشفيات.


كذلك، فإن الدولة التي تدخل حربا تحتاج إلى الثقة داخل مؤسّساتها العسكرية والأمنية. فكيف تستطيع دولة حماية أسرارها العسكرية إذا لم تتمكن من ضمان أمن المعلومات والتحقّق من الجهات التي تصل إليها؟ ومع ذلك، فإن تعدّد الجنسيات داخل الجيش سيوسّع خطر الوقوع في الخيانة.


أما التصريحات التي وجّهها الرئيس الأمريكي إلى فرنسا بشأن تحذيراته السابقة من تواجد المهاجرين على أراضيها، فأرى أنها قد تحمل أيضا أبعادا انتخابية. فقد يستند السياسي إلى مواقفه السابقة من الهجرة ليقنع الناخبين بأنه كان محقا في تحذيراته، وقد يوظّف صور الاضطرابات وأعمال التخريب في خطابه لإثبات ضرورة غلق الحدود وطرد المهاجرين. وهذا ما حدث في سياسته التي اتخذتها إدارته تجاه مهاجرين من دول أمريكا الجنوبية، وبالطريقة التي يمكن أن تتحول بها قضية الهجرة إلى ورقة مؤثرة في المنافسة السياسية. وما قد يلاحظه المتابعون للشأن السياسي الدولي كذلك أن الإشارة إلى التحذيرات السابقة قد تكون وسيلة لإعادة تأكيد موقف سياسي أمام الجمهور، حتى لو تغيرت الظروف الانتخابية أو ظهرت شخصيات أخرى تنافس على القيادة. 


وقد يكون الهدف منه هو تهيئة الرأي العام لتقبل إجراءات أكثر صرامة تجاه الهجرة، سواء اتخذها المسؤول الحالي أم تبنتها إدارة لاحقة. وقد تحدث تطورات سياسية مفاجئة تؤثر في مسار المواجهة الدولية، بما في ذلك غياب أحد الزعماء عن المشهد السياسي. فإذا وقع اغتيال سياسي أو حدث أمني كبير، فقد يؤدي ذلك إلى تصاعد التوترات واتهامات متبادلة بين الدول، وقد يستغلّ لتبرير تحركات عسكرية جديدة. وفي حال اتّهمت روسيا أو إيران أو الصين بالمسؤولية عن حادث من هذا النوع، فقد تتفاقم الأزمة وتزداد الضغوط المطالبة بالرد العسكري وشنّ حرب كبرى.


إلا أن إمكانية اختفاء الرئيس الأمريكي من المشهد أو تعرّضه للاغتيال، كخطة مقصودة لشنّ حرب قريبا ضد روسيا وحلفائها، وذريعة قد تستخدم للتصعيد، وأن طريقة عرض الأحداث على الجمهور قد تؤثر في مدى تقبّله للحرب.


إذا كانت إسرائيل وأمريكا ستستهدفان الجزائر وإيران، وفق هذا السيناريو، فالذي سيتولى ضرب روسيا، هي أوروبا الطرف الذي يدخل في المواجهة معها، والذريعة التي ستقدّم لتبرير هذه الحرب واستخدام قضية المهاجرين كحجة لدفع أوروبا إلى الدخول في الحرب فهو غير كافي، وبالتالي، فإن إشراك أمريكا فيها يتطلّب حدثا كبيرا، يسقط فيه شخص ذو نفوذ كبير، كي يهيئ الرأي العام لتقبّل المواجهة. وأطرح هنا فرضية أن الرئيس الأمريكي الحالي قد يختفي من المشهد السياسي، مدّعيا تعرّضه للاغتيال، لتصبح الحادثة ذريعة مقبولة للتصعيد العسكري. 


وما يسترعي انتباه المراقبين في تصريحاته أنه يتحدّث عن عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة، وهو ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان يجري إعداد شخصية أخرى كفرد من عائلته لتولّي القيادة وتحمل التوجّه نفسه، وتجد في الحدث الكبير مبرّرا لضرب روسيا وحلفائها وإشعال حرب عالمية. فالرئيس الحالي يعرف بعلاقته الودية بالرئيس الروسي، ولذلك لا يرجّح أن يكون هو من يبدأ المواجهة المباشرة معه.


وبناء على ذلك، ووفق المعطيات الراهنة ستكون الحرب المقبلة شديدة العنف، وتتّسع مشاركة الدول فيها لتشمل قوى إقليمية ودولية متعددة. وقد سبق أن أشرت إلى اجتماع الرئيس الأمريكي مع قادة دول الخليج ومصر، وأرى أن هذه التحرّكات تستحق المتابعة لفهم طبيعة التحالفات التي قد تتشكّل استعدادا لأي مواجهة مقبلة. فمشاركة مصر في تحالف تقوده السعودية في مواجهة اليمن. وأرجّح كذلك أن تشارك السعودية والبحرين وقطر في تحركات عسكرية ضد العراق، بالنظر إلى علاقاتها بإيران، وأن تستهدف اليمن أيضا على أساس تحالفها مع طهران كما يزعمون.


قد يتأسس تحالف عربي يضمّ عددا من دول الخليج ومصر، وبالتعاون مع أمريكا وأوروبا في مواجهة المعسكر الذي يضمّ الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران والجزائر وتونس وو... ومثل هذه التحالفات، إذا تحقّقت، قد تفتح الباب أمام مواجهة دولية واسعة تتجاوز حدود الصراعات الإقليمية الحالية.


وما يسمى في التغطيات الإعلامية بـ "الربيع الأوروبي"، وما يصاحبه من مظاهرات واضطرابات وخطاب متصاعد حول الهجرة والأمن، يعدّ التهيئة السياسية والأمنية والأسس لحرب عالمية جديدة.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات